الغيبيّ من التّفكير الدّينيّ ، توحي لنا بالفكرة في أسلوب تقريريّ يجعل الفكرة والشّعور يحملانها في جوّ من التّفكير ، تضجّ فيه غرابة لا تبتعد عن جانب الإيمان في الإنسان الّذي يخشع إيمانه أمام الحقّ الّذي ينزله الوحي في القرآن ، وأمام القدرة الّتي لا يعجزها شيء في الإيمان باللّه ، وأمام الإيمان بالغيب الّذي هو من أركان العقيدة في ما تقرّره من الانطلاق مع حقائق الوجود الّذي يهيمن عليه اللّه خالقه في عالم الشّهود وفي عالم الغيب ؛ وذلك هو أحد إثارات القرآن أمام الإنسان ، بغية إرشاده وتربيته روحيّا وفكريّا . ( 5 : 63 )
3 -
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها . . .
البقرة : 259
ابن عبّاس : يقول : كيف يحيي اللّه أهل هذه القرية بعد موتهم ؟ ( 37 )
الماورديّ : فيه وجهان : أحدهما : يعمرها بعد خرابها ، والثّاني : يعيد أهلها بعد هلاكهم . ( 1 : 331 )
الواحديّ : أي أنّى يعمرها بعد خرابها ؟ استبعد أن يفعل اللّه ذلك ، على معنى أنّه لا يفعله ، فأحبّ اللّه تعالى أن يريه آية في نفسه وفي إحياء القرية . ( 1 : 372 )
الزّمخشريّ : اعتراف بالعجز عن معرفة طريقة الإحياء ، واستعظام لقدرة المحيي . ( 1 : 389 )
ابن عطيّة : معناه من أيّ طريق وبأيّ سبب ؟
وظاهر اللّفظ السّؤال عن إحياء القرية بعمارة وسكّان ، كما يقال : الآن في المدن الخربة الّتي يبعد أن تعمر وتسكن ، فكأنّ هذا تلهّف من الواقف المعتبر على مدينته الّتي عهد فيها أهله وأحبّته ، وضرب له المثل في نفسه بما هو أعظم ممّا سأل عنه . والمثال الّذي ضرب له في نفسه يحتمل أن يكون على أنّ سؤاله ، إنّما كان عن إحياء الموتى من بني آدم ، أي أنّى يحيي اللّه موتاها ؟
وقد حكى الطّبريّ عن بعضهم أنّه قال : كان هذا القول شكّا في قدرة اللّه على الإحياء ، فلذلك ضرب له المثل في نفسه .
وليس يدخل شكّ في قدرة اللّه على إحياء قرية بجلب العمرة إليها ، وإنّما يتصوّر الشّكّ من جاهل في الوجه الآخر ، والصّواب أن لا يتأوّل في الآية شكّ .
( 1 : 348 )
مثله القرطبيّ . ( 3 : 290 )
الطّبرسيّ : أي كيف يعمر اللّه هذه القرية بعد خرابها ؟ وقيل : كيف يحيي اللّه أهلها بعد ما ماتوا ؟ وأطلق لفظ القرية وأراد به أهلها ، كقوله :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
يوسف : 82 ، ولم يقل ذلك إنكارا ولا تعجّبا ولا ارتيابا ، ولكنّه أحبّ أن يريه اللّه إحياءها مشاهدة ، كما يقول الواحد منّا : كيف يكون حال النّاس يوم القيامة ؟ وكيف يكون حال أهل الجنّة في الجنّة ؟ وكيف يكون حال أهل النّار في النّار ؟ وكقول إبراهيم :
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
البقرة : 260 ، أحبّ أن يريه اللّه إحياء الموتى مشاهدة ، ليحصل له العلم به ضرورة ، كما حصل العلم دلالة لأنّ العلم الاستدلاليّ ربّما اعتورته الشّبهة .
( 1 : 370 )
ابن الجوزيّ : أي كيف يحييها ؟ فإن قلنا : إنّ هذا