ربّك ؟ فقال له إبراهيم ذلك .
واختلفوا في وقت هذه المناظرة ، فقال مقاتل : لمّا كسّر إبراهيم الأصنام سجنه نمروذ ، ثمّ أخرجه ليحرقه بالنّار ، فقال له : من ربّك الّذي تدعونا إليه ، وقال آخرون : كان هذا بعد إلقائه في النّار ؛ وذلك أنّ النّاس قحطوا على عهد نمروذ ، وكان النّاس يمتارون من عنده ، فكان إذا أتاه الرّجل في طلب الطّعام سأله من ربّك ؟ فإن قال : أنت ، باع منه الطّعام . فأتاه إبراهيم فقال له : من ربّك ؟ فقال له ذلك .
قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ .
قرأ نافع بمدّ الألف من ( انا ) فيصير مدّا منفصلا ، والباقون بالقصر .
قال أكثر المفسّرين : دعا نمروذ برجلين فقتل أحدهما واستحيا الآخر ، فجعل ترك القتل إحياء ، فانتقل إبراهيم إلى حجّة أخرى ، لا عجزا ، بل لما رآه من غباوته ، فإنّ حجّته لازمة ، لأنّه أراد بالإحياء إحياء الميّت ، فكان له أن يقول : فأحي من أمتّ إن كنت صادقا ، لكنّه انتقل إلى حجّة أوضح من الأولى . ( 1 : 171 )
البروسويّ : أي يخلق الحياة والممات في الأجساد .
وجواب إبراهيم في غاية الصّحّة ، لأنّه لا سبيل إلى معرفة اللّه إلّا بمعرفة صفاته وأفعاله الّتي لا يشاركه فيها أحد من القادرين ، والإحياء والإماتة من هذا القبيل .
( قال ) : كأنّه قيل : كيف حاجّه في هذه المقالة القويّة الحقّة ؟ فقيل : قال :
أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ
روي أنّه دعا برجلين قد حبسهما فقتل أحدهما وأطلق الآخر ، فقال :
قد أحييت هذا وأمتّ هذا ، فجعل ترك القتل إحياء ، وكان هذا تلبيسا منه . ( 1 : 410 )
نحوه الآلوسيّ . ( 3 : 17 )
ابن عاشور : وقد دلّ هذا على أنّ إبراهيم هو الّذي بدأ بالدّعوة إلى التّوحيد ، واحتجّ بحجّة واضحة يدركها كلّ عاقل ، وهي أنّ الرّبّ الحقّ هو الّذي يحيي ويميت ؛ فإنّ كلّ أحد يعلم بالضّرورة أنّه لا يستطيع إحياء ميّت ، فلذلك ابتدأ إبراهيم الحجّة بدلالة عجز النّاس عن إحياء الأموات ، وأراد بأنّ اللّه يحيي أنّه يخلق الأجسام الحيّة من الإنسان والحيوان ، وهذا معلوم بالضّرورة .
وفي تقديم الاستدلال بخلق الحياة إدماج لإثبات البعث ، لأنّ الّذي حاجّ إبراهيم كان من عبدة الأصنام ، وهم ينكرون البعث ، وذلك موضع العبرة من سياق الآية في القرآن على مسامع أهل الشّرك ، ثمّ أعقبه بدلالة الإماتة ، فإنّه لا يستطيع تنهية حياة الحيّ ، ففي الإحياء والإماتة دلالة على أنّهما من فعل فاعل غير البشر ، فاللّه هو الّذي يحيي ويميت ، فاللّه هو الباقي دون غيره الّذين لا حياة لهم أصلا كالأصنام ؛ إذ لا يعطون الحياة غيرهم وهم فاقدوها ، ودون من لا يدفع الموت على نفسه مثل هذا الّذي حاجّ إبراهيم .
وجملة :
قالَ أَنَا أُحْيِي
بيان ل
حَاجَّ
والتّقدير : حاجّ إبراهيم قال : أنا أحيي وأميت ، حين قال له إبراهيم :
رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ .
وقد جاء بمغالطة عن جهل أو غرور في الإحياء والإماتة ؛ إذ زعم أنّه يعمد إلى من حكم عليه بالموت فيعفو عنه ، وإلى بريء فيقتله ، كذا نقلوه . ويجوز أن يكون مراده أنّ الإحياء والإماتة من فعله هو ؛ لأنّ أمرهما خفيّ لا يقوم عليه برهان محسوس .