يُحْيِينِ
الشّعراء : 81 ، فلأيّ سبب قدّم في هذه الآية ذكر الحياة على الموت ؛ حيث قال :
رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ
البقرة : 258 ؟
والجواب : لأنّ المقصود من ذكر الدّليل إذا كان هو الدّعوة إلى اللّه تعالى وجب أن يكون الدّليل في غاية الوضوح ، ولا شكّ أنّ عجائب الخلقة حال الحياة أكثر ، واطّلاع الإنسان عليها أتمّ ، فلا جرم وجب تقديم الحياة هاهنا في الذّكر .
أمّا قوله تعالى :
قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ
ففيه مسائل :
المسألة الأولى : يروى أنّ إبراهيم عليه السّلام لمّا احتجّ بتلك الحجّة ، دعا ذلك الملك الكافر شخصين ، وقتل أحدهما ، واستبقى الآخر ، وقال : أنا أيضا أحيي وأميت ، هذا هو المنقول في التّفسير . وعندي أنّه بعيد ؛ وذلك لأنّ الظّاهر من حال إبراهيم أنّه شرح حقيقة الإحياء وحقيقة الإماتة ، على الوجه الّذي لخّصناه في الاستدلال ، ومتى شرحه على ذلك الوجه امتنع أن يشتبه على العاقل الإماتة والإحياء على ذلك الوجه ، بالإماتة والإحياء بمعنى القتل وتركه . ويبعد في الجمع العظيم أن يكونوا في الحماقة بحيث لا يعرفون هذا القدر من الفرق .
والمراد من الآية - واللّه أعلم - شيء آخر ، وهو أنّ إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا احتجّ بالإحياء والإماتة من اللّه ، قال المنكر : تدّعي الإحياء والإماتة من اللّه ابتداء من غير واسطة الأسباب الأرضيّة والأسباب السّماويّة ، أو تدّعي صدور الإحياء والإماتة من اللّه تعالى بواسطة الأسباب الأرضيّة والأسباب السّماويّة . أمّا الأوّل فلا سبيل إليه ، وأمّا الثّاني فلا يدلّ على المقصود ، لأنّ الواحد منّا يقدر على الإحياء والإماتة بواسطة سائر الأسباب ، فإنّ الجماع قد يفضي إلى الولد الحيّ بواسطة الأسباب الأرضيّة والسّماويّة ، وتناول السّمّ قد يفضي إلى الموت ، فلمّا ذكر نمرود هذا السّؤال على هذا الوجه أجاب إبراهيم عليه السّلام بأن قال : هب أنّ الإحياء والإماتة حصلا من اللّه تعالى بواسطة الاتّصالات الفلكيّة ، إلّا أنّه لا بدّ لتلك الاتّصالات والحركات الفلكيّة من فاعل مدبّر ، فإذا كان المدبّر لتلك الحركات الفلكيّة هو اللّه تعالى ، كان الإحياء والإماتة الحاصلان بواسطة تلك الحركات الفلكيّة أيضا من اللّه تعالى . وأمّا الإحياء والإماتة الصّادران على البشر بواسطة الأسباب الفلكيّة والعنصريّة فليست كذلك ، لأنّه لا قدرة للبشر على الاتصالات الفلكيّة ، فظهر الفرق .
وإذا عرفت هذا فقوله :
فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ
البقرة : 258 ليس دليلا آخر ، بل تمام الدّليل الأوّل ، ومعناه : أنّه وإن كان الإحياء والإماتة من اللّه بواسطة حركات الأفلاك ، إلّا أنّ حركات الأفلاك من اللّه ، فكان الإحياء والإماتة أيضا من اللّه تعالى . وأمّا البشر فإنّه وإن صدر منه الإحياء والإماتة بواسطة الاستعانة بالأسباب السّماويّة والأرضيّة ، إلّا أنّ تلك الأسباب ليست واقعة بقدرته ، فثبت أنّ الإحياء والإماتة الصّادرين عن البشر ليست على ذلك الوجه ، وأنّه لا يصلح نقضا عليه ، فهذا هو الّذي اعتقده في كيفيّة جريان هذه المناظرة ، لا ما هو المشهور عند الكلّ ، واللّه أعلم بحقيقة الحال .