ابن عطيّة : [ نقل قول الرّبيع والسّدّيّ وقال : ]
وذكر الأصوليّون في هذه الآية : أنّ إبراهيم عليه السّلام وصف ربّه تعالى بما هو صفة له من الإحياء والإماتة ، لكنّه أمر له حقيقة ومجاز ، قصد إبراهيم عليه السّلام الحقيقة ، ففزع نمرود إلى المجاز وموّه به على قومه ، فسلّم له إبراهيم تسليم الجدل ، وانتقل معه من المثال ، وجاءه بأمر لا مجاز فيه . ( 1 : 346 )
الطّبرسيّ : في الكلام حذف ، وهو إذ قال له نمرود :
من ربّك ؟ فقال : ربّي الّذي يحيي ويميت . بدأ بذكر الحياة ، لأنّها أوّل نعمة ينعم اللّه بها على خلقه ثمّ يميتهم ، وهذا أيضا لا يقدر عليه إلّا اللّه تعالى ، لأنّ الإماتة هي أن يخرج الرّوح من بدن الحيّ من غير جرح ولا نقض بنية ، ولا إحداث فعل يتّصل بالبدن من جهة ، وهذا خارج عن قدرة البشر . [ ثمّ قال نحو الطّوسيّ ] ( 1 : 367 )
الفخر الرّازيّ : ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الظّاهر أنّ هذا جواب سؤال سابق غير مذكور ؛ وذلك لأنّ من المعلوم أنّ الأنبياء عليهم السّلام بعثوا للدّعوة ، والظّاهر أنّه متى ادّعي الرّسالة فإنّ المنكر يطالبه بإثبات أنّ للعالم إلها ، ألا ترى أنّ موسى عليه السّلام لمّا قال :
إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ
الزّخرف : 46 ،
قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
الشّعراء : 23 ، فاحتجّ موسى عليه السّلام على إثبات الإلهيّة بقوله :
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
الشّعراء : 24 ، فكذا هاهنا . الظّاهر أنّ إبراهيم ادّعى الرّسالة ، فقال نمرود : من ربّك ؟ فقال إبراهيم :
رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ
البقرة : 258 ، إلّا أنّ تلك المقدّمة حذفت ؛ لأنّ الواقعة تدلّ عليها .
المسألة الثّانية : دليل إبراهيم عليه السّلام كان في غاية الصّحّة ؛ وذلك لأنّه لا سبيل إلى معرفة اللّه تعالى إلّا بواسطة أفعاله الّتي لا يشاركه فيها أحد من القادرين ، والإحياء والإماتة كذلك ، لأنّ الخلق عاجزون عنهما ، والعلم بعد الاختيار ضروريّ ، فلا بدّ من مؤثّر آخر غير هؤلاء القادرين الّذين تراهم ؛ وذلك المؤثّر إمّا أن يكون موجبا أو مختارا . والأوّل باطل ، لأنّه يلزم من دوامه دوام الأثر ، فكان يجب أن لا يتبدّل الإحياء بالإماتة ، وأن لا تتبدّل الإماتة بالإحياء .
والثّاني وهو أنّا نرى في الحيوان أعضاء مختلفة في الشّكل والصّفة والطّبيعة والخاصيّة ، وتأثير المؤثّر الموجب بالذّات لا يكون كذلك ، فعلمنا أنّه لا بدّ في الإحياء والإماتة من موجود آخر يؤثّر على سبيل القدرة ، والاختيار في إحياء هذه الحيوانات وفي إماتتها ، وذلك هو اللّه سبحانه وتعالى .
وهو دليل متين قويّ ذكره اللّه سبحانه وتعالى في مواضع في كتابه ، كقوله :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ
المؤمنون : 12 إلى آخره ، وقوله :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ
التّين : 4 ، وقال تعالى :
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ
الملك : 2 .
المسألة الثّالثة : لقائل أن يقول : إنّه تعالى قدّم الموت على الحياة في آيات ، منها قوله تعالى :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
البقرة : 28 ، وقال :
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ
الملك : 2 ، وحكى عن إبراهيم أنّه قال في ثنائه على اللّه تعالى :
وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ