تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 607

مساهمون:

ص٦٠٧
فنقول : الإحياء غير إنبات الرّزق ؛ لأنّ بإنزال الماء من السّماء يخضرّ وجه الأرض ، ويخرج منها أنواع من الأزهار ، ولا يتغذّى به ولا يقتات ، وإنّما يكون به زينة وجه الأرض ، وهو أعمّ من الزّرع والشّجر ، لأنّه يوجد في كلّ مكان ، والزّرع والثّمر لا يوجدان في كلّ مكان ، فكذلك هذا الإحياء . فإن قيل : فكان ينبغي أن يقدّم في الذّكر ؛ لأنّ اخضرار وجه الأرض يكون قبل حصول الزّرع والثّمر ؛ ولأنّه يوجد في كلّ مكان بخلاف الزّرع والثّمر . نقول : لمّا كان إنبات الزّرع والثّمر أكمل نعمة قدّمه في الذّكر . ( 28 : 159 ) أبو حيّان : والإشارة في ذلك إلى الإحياء ، أي الخروج من الأرض أحياء بعد موتكم ، مثل ذلك الحياة للبلدة الميت ، وهذه كلّها أمثلة وأدلّة على البعث . ( 8 : 122 ) أبو السّعود :
وَأَحْيَيْنا بِهِ
أي بذلك الماء
بَلْدَةً مَيْتاً
أرضا جدبة لانماء فيها أصلا ، بأن جعلناها بحيث ربت وأنبتت أنواع النّبات والأزهار ، فصارت تهتزّ بها بعد ما كانت جامدة هامدة . وتذكير ( ميتا ) ؛ لأنّ البلدة بمعنى البلد والمكان .
كَذلِكَ الْخُرُوجُ
جملة قدّم فيها الخبر للقصد إلى القصر ، وذلك إشارة إلى الحياة المستفادة من الإحياء . وما فيه من معنى البعد للإشعار ببعد رتبتها ، أي مثل تلك الحياة البديعة حياتكم بالبعث من القبور لا شيء مخالف لها . وفي التّعبير عن إخراج النّبات من الأرض بالإحياء وعن حياة الموتى بالخروج تفخيم لشأن الإنبات ، وتهوين لأمر البعث ، وتحقيق للمماثلة بين إخراج النّبات وإحياء الموتى ، لتوضيح منهاج القياس وتقريبه إلى أفهام النّاس . ( 6 : 124 ) نحوه البروسويّ ( 9 : 109 ) ، والآلوسيّ ( 26 : 176 ) ، والمراغيّ ( 26 : 156 ) . الكاشانيّ : كما أنزلنا الماء من السّماء وأخرجنا به النّبات من الأرض وأحيينا به البلدة الميت يكون خروجكم أحياء بعد موتكم ، وهو جواب لقولهم :
أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ
ق : 3 ( 5 : 59 ) ابن عاشور :
وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً
عطف على
رِزْقاً لِلْعِبادِ
عطف الفعل على الاسم المشتقّ من الفعل ، وهو رزقه المشتقّ ؛ لأنّه في معنى : رزقنا العباد وأحيينا به بلدة ميتا ، أي لرعي الأنعام والوحش فهو استدلال ، وفيه امتنان . والبلدة : القطعة من الأرض . ( 26 : 244 ) الطّباطبائيّ : وقوله :
وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ
برهان آخر على البعث غير ما تقدّم ، استنتج من طيّ الكلام ، فإنّ البيان السّابق في ردّ استبعادهم للبعث ، مستندين إلى صيرورتهم ترابا غير متمايز الأجزاء ، كان برهانا من مسلك إثبات علمه بكلّ شيء ، وقدرته على كلّ شيء ، وهذا البرهان الّذي يتضمّنه قوله :
وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ
من مسلك إثبات إمكان الشّيء بوقوع مثله . فليس الخروج من القبور بالإحياء بعد الموت ، إلّا مثل خروج النّبات الميّت من الأرض بعد موتها ، ووقوف قواه عن النّماء والنّشوء . وقد قرّرنا هذا البرهان في ذيل الآيات المستدلّة
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 607 | مجمع البحوث الاسلامية