بعد ذلك - بشروط خاصّة - تؤمر الأرض والبذور الّتي نثرت عليها بقبول الماء والنّموّ والاخضرار ، ومن موجودات حقيرة وعديمة القيمة ظاهرا تنبت موجودات حيّة وكثيرة التّنوّع والجمال ، طريّة خضراء ، مفيدة ومثمرة تدلّل بدورها على قدرته سبحانه وتعالى ، وتشهد على حكمته ، وتكون نموذجا من البعث الكبير .
في الحقيقة إنّ هذه الآية تدعو إلى التّوحيد في عدّة جوانب : فالنّظم دليل على الوحدانيّة ، والحركة الّتي تقتضي وجود محرّك لكلّ متحرّك ، ومن جانب آخر فإنّ النّعم تدعو إلى شكر المنعم فطريّا .
وكذلك فهي دليل على مسألة المعاد من جهات أيضا :
فتكامل الموجودات بسير تكامليّ ، وانبعاث الحياة من الأرض الميّتة ، إنّما تقول للإنسان : أيّها الإنسان إنّك ترى مشهد المعاد في فصول كلّ عام أمام ناظريك وتحت قدميك . ( 14 : 29 )
فضل اللّه :
وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً
وفق ما أودعه اللّه في القانون الطّبيعيّ لتكوّن السّحاب المثقل بالماء
فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ
في عمليّة توزيع الوظائف الكونيّة للموجودات ، حسب مقتضى الحكمة الإلهيّة في الرّزق في جانبي الخصب والجدب في الأرض ؛ حيث يريد اللّه أن يرزق بعض البلاد أو يحرمها منه ، فيحيي أرضا بعد موت ، كما يبقي أرضا على موتها الزّراعيّ ، فلا تنبض فيها حياة البذور ولا تتفتّح فيها الثّمار ، فللأرض موت وحياة كما هو الإنسان في موته وحياته ، وهكذا يحيي اللّه الأرض بعد أن تموت بسبب الجفاف ، أو بسبب آخر
فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ،
فيكون في ذلك بعث جديد للحياة في الأرض ، فتتولّد الحياة في البذور ويهتزّ النّبات ، ممّا يوحي بفكرة البعث بطريقة حسّيّة ، يمكن للإنسان أن يستشرف منها المعنى العميق في إمكانيّة بعث الحياة بعد الموت في الإنسان . و
كَذلِكَ النُّشُورُ
فهو الصّورة الحيّة للإحياء الطّبيعيّ المتحرّك بقدرة اللّه في الأرض الّتي توحي بإمكان صورة مماثلة لإحياء الإنسان بعد الموت ، لأنّ الموت هو الموت ، والحياة هي الحياة ، من دون فرق بين الأشياء في ذلك كلّه .
وهذا الّذي يمثّل قدرة اللّه وسيطرته على عمق الحياة في الكون كلّه في عالم الإيجاد وعالم البعث ، ممّا يجعل الأمور كلّها مرتبطة به وخاضعة له ، باعتباره المصدر الوحيد للقوّة على مستوى حركة الجسد والرّوح في الجانب المادّيّ أو المعنويّ ، فلا قوّة لأيّ مخلوق في ذاته ، وهذا ما تريد الآية التّالية [ وهي :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ
فاطر : 9 ] أن تؤكّده وتثيره أمام الكثيرين من النّاس الّذين يعبدون غير اللّه ويرتبطون به ، ويتركون طاعة اللّه وعبادته ، طلبا للعزّة الّتي يملكها هؤلاء الشّركاء المزعومون ، في ما يملكون من قوّة ومال وجاه وسلطان ، في استغراقهم في الجانب الحسّيّ المباشر ، وابتعادهم عن الوعي العميق النّافذ إلى حقائق الأشياء .
( 19 : 89 )