تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 597

مساهمون:

ص٥٩٧
وقال بعض المحقّقين في الانتصار له : إنّ مراد الكفّار من هذا القول اعترافهم بما كانوا ينكرونه في الدّنيا ، ويكذّبون الأنبياء حين كانوا يدعونهم إلى الإيمان باللّه تعالى واليوم الآخر ؛ لأنّ قولهم هذا كالجواب عن النّداء في قوله تعالى :
يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ
المؤمن : 10 ، كأنّهم أجابوا أنّ الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام دعونا ، وكنّا نعتقد أن لا حياة بعد الموت ، فالآن نعترف بالموتين والحياتين لما قاسينا من شدائدهما وأحوالهما ، فالذّنب المعترف به تكذيب البعث ، ولهذا جعل مرتّبا على القول ، وإنّما ذكروا الإماتتين ليذكروا الإحياءين ؛ إذ كلتا الحياتين كانتا منكرتين عندهم دون الحياة المعروفة . ومقام هذه الآية غير مقام قوله تعالى :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
البقرة : 28 ، فإنّ هذه كما سمعت لبيان الإقرار والاعتراف منهم في الآخرة بما أنكروه في الدّنيا ، وتلك لبيان الامتنان الّذي يستدعي شكر المنعم ، أو لبيان الدّلائل لتصرّفهم عن الكفر . ويرجّح هذا القول إنّ أمر إطلاق الإماتة على كلتا الإماتتين ظاهر . وتعقّبه في « الكشف » بأنّه لا قرينة في اللّفظ تدلّ على خروج الإحياء الأوّل مع أنّ الإطلاق عليه أظهر ، والمقابلة تنادي على دخوله . ويكفي في الاعتراف إثبات إحياء واحد منهما غير الأوّل . وقيل : إنّما قالوا :
أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ
لأنّهما نوعان : إحياء البعث وإحياء قبله ، ثمّ إحياء البعث قسمان : إحياء في القبر وإحياء عند القيام ، ولم يذكر تقسيمه ، لأنّهم كانوا منكرين لقسميه . وتعقّب بأنّ ذكر الإماتة الثّانية الّتي في القبر دليل على أنّ التّقسيم ملحوظ ، والمراد التّعدّد الشّخصيّ لا النّوعيّ . نعم هذا يصلح تأييدا لما اختاره جار اللّه ، وروي عن جمع من السّلف : من أنّ الإحياءات وإن كانت ثلاثا إنّما سكت عن الثّانية ، لأنّها داخلة في إحياءة البعث ، قاله صاحب « الكشف » ، ثمّ قال : وعلى هذا فالإماتة على مختار جار اللّه إماتة قبل الحياة وإماتة بعدها ، وطويت إماتة القبر كما طويت إحياءته ولك أن تقول : إنّ الإماتة نوع واحد بخلاف الإحياء فروعي التّعدّد فيها شخصا بخلافه ، وذكر الإماتة الثّانية لأنّها منكرة عندهم كالحياتين ، ويجب الاعتراف بها لا للدّلالة على أنّ التّعدّد في الإحياء شخصيّ ، والحقّ أنّ ذلك وجه ، لكن قوله تعالى : ( اثنتين ) ظاهر في المرّة ، فلذا آثر من آثر الوجه الأوّل ، وإن كانت الإماتة فيه غير ظاهرة ، ذهابا إلى أنّ ذلك مجاز مستعمل في القرآن ، فتأمّل . وقال الإمام : إنّ أكثر العلماء احتجّوا بهذه الآية في إثبات عذاب القبر ؛ وذلك أنّهم أثبتوا لأنفسهم موتتين ، فإحدى الموتتين مشاهد في الدّنيا ، فلا بدّ من إثبات حياة أخرى في القبر ، حتّى يصير الموت الّذي عقيبها موتة ثانيا ؛ وذلك يدلّ على حصول حياة في القبر . وأطال الكلام في تحقيق ذلك والانتصار له ، والمنصف يرى أنّ عذاب القبر ثابت بالأحاديث الصّحيحة دون هذه الآية ، لقيام الوجه المرويّ عمّن سمعت أوّلا فيها ، وقد قيل : إنّه الوجه ، لكنّي أظنّ أنّ اختيار الزّمخشريّ له لدسيسة اعتزاليّة . وقال ابن زيد : في الآية أريد ، إحياؤهم نسما عند أخذ العهد عليهم من صلب آدم ، ثمّ إماتتهم بعد ، ثمّ