الآية لحياة يوم البعث . ويرد عليه ما تقدّم أنّ الحياة الدّنيا لا تعلّق لها بالغرض فلا موجب للتّعرض لها ، والحياة يوم القيامة بالخلاف من ذلك .
وقيل : المراد بالإحياءتين : إحياء البعث والإحياء الّذي قبله ، وإحياء البعث قسمان : إحياء في القبر ، وإحياء عند البعث ، ولم يتعرّض لهذا التّقسيم في الآية ، فتشمل الآية الإحياءات الثّلاث والإماتتين جميعا .
ويرد عليه ما يرد على الوجهين السّابقين عليه مضافا إلى ما أورد عليه ، أنّ ذكر الإماتة الثّانية الّتي في القبر دليل على أن التّقسيم ملحوظ ، والمراد التّعدّد الشّخصيّ لا النّوعيّ .
وقيل : المراد إحياء النّفوس في عالم الذّرّ ، ثمّ الإماتة ثمّ الإحياء في الدّنيا ، ثمّ الإماتة ثمّ الإحياء للبعث ، ويرد عليه ما يرد على سوابقه .
وقيل : المراد بالتّثنية التّكرار ، كما في قوله تعالى :
ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ
الملك : 4 ، والمعنى أمتّنا إماتة وأحييتنا إحياءة بعد إحياءة .
وأورد عليه أنّه إنّما يتمّ لو كان القول : أمتّنا إماتتين وأحييتنا إحياءتين أو كرّتين مثلا ، لكن المقول نفس العدد وهو لا يحتمل ذلك ، كما قيل في قوله :
إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ
النّحل : 51 . ( 17 : 313 )
مكارم الشّيرازيّ : [ أشار إلى أقوال المفسّرين وذكر من بينها ثلاثة : ]
أوّلا : أن يكون المقصود من :
أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ
هو الموت في نهاية العمر ، والموت في نهاية البرزخ . أمّا المقصود من :
أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ
فهي الإحياء في نهاية البرزخ والإحياء في القيامة .
ولتوضيح ذلك ، نرى أنّ للإنسان حياة أخرى بعد الموت تسمّى الحياة البرزخيّة ، وهذه الحياة هي نفس حياة الشّهداء الّتي يحكي عنها قوله تعالى :
بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
آل عمران : 169 ، وهي نفس حياة النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله والأئمّة من أهل البيت عليهم السّلام ؛ حيث يسمعون سلامنا ويردّون عليه .
وهي أيضا نفس حياة الطّغاة والأشقياء كالفراعنة الّذين يعاقبون صباحا ومساء بمقتضى قوله تعالى :
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا
المؤمن : 46 .
ومن جانب آخر نعرف أنّ الجميع ، من الملائكة والبشر والأرواح ، ستموت في نهاية هذا العالم مع أوّل نفخة من الصّور :
فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
الزّمر : 68 ، ولا يبقى أحد سوى الذّات الإلهيّة بالطّبع ، على خلاف ما أوضحناه في نهاية الآية : 86 ، من سورة الزّمر ، بين موت وحياة الملائكة والأرواح ، وبين موت وحياة الإنسان .
وعلى هذا الأساس فإنّ هناك حياة جسمانيّة وحياة برزخيّة ، ففي نهاية العمر يحلّ الموت بحياتنا الجسمانيّة ، لكن في نهاية العالم يحلّ بحياتنا البرزخيّة .
يترتّب على ذلك أن تكون هناك حياتان بعد هاتين الموتتين : حياة برزخيّة ، وحياة في يوم القيامة .
وهنا قد يطرح البعض هذا السّؤال : إنّنا في الواقع نملك حياة ثالثة هي حياتنا في هذه الدّنيا ، وهي غير هاتين الحياتين ، وقبلها أيضا كنّا في موت قبل أن نأتي إلى هذه الدّنيا ، وبهذا سيكون لدينا ثلاث موتات وثلاثة