وقد أورد كثير من المفسّرين إشكالا : أنّ هنالك حياة ثالثة لم تذكر هنا وهي الحياة في القبر الّتي أشار إليها حديث سؤال القبر ، وهو حديث اشتهر بين المسلمين من عهد السّلف . وفي كون سؤال القبر يقتضي حياة الجسم حياة كاملة احتمال ، وقد يتأوّل بسؤال روح الميّت عند جسده ، أو بحصول حياة بعض الجسد ، أو لأنّها لمّا كانت حياة مؤقّتة بمقدار السّؤال ليس للمتّصف بها تصرّف الإحياء في هذا العالم ، لم يعتدّ بها لا سيّما والكلام مراد منه التّوطئة لسؤال خروجهم من جهنّم . وبهذا يعلم أنّ الآية بمعزل عن أن يستدلّ بها لثبوت الحياة عند السّؤال في القبر . ( 24 ، 158 )
الطّباطبائيّ : والمراد بقولهم :
أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ
- كما قيل - : الإماتة عن الحياة الدّنيا والإحياء للبرزخ ، ثمّ الإماتة عن البرزخ والإحياء للحساب يوم القيامة ، فالآية تشير إلى الإماتة بعد الحياة الدّنيا ، والإماتة بعد الحياة البرزخيّة ، وإلى الإحياء في البرزخ والإحياء ليوم القيامة ، ولولا الحياة البرزخيّة لم تتحقّق الإماتة الثّانية ، لأنّ كلّا من الإماتة والإحياء يتوقّف تحقّقه على سبق خلافه .
ولم يتعرّضوا للحياة الدّنيا ولم يقولوا : وأحييتنا ثلاثا وإن كانت إحياء ، لكونها واقعة بعد الموت الّذي هو حال عدم ولوج الرّوح ، لأنّ مرادهم ذكر الإحياء الّذي هو سبب الإيقان بالمعاد ، وهو الإحياء في البرزخ ثمّ في القيامة . وأمّا الحياة الدّنيويّة فإنّها وإن كانت إحياء لكنّها لا توجب بنفسها يقينا بالمعاد ، فقد كانوا مرتابين في المعاد وهم أحياء في الدّنيا .
وبما تقدّم من البيان يظهر فساد ما اعترض عليه بأنّه لو كان المراد بالإحياءتين ما كان في البرزخ وفي الآخرة ، لكان من الواجب أن يقال : « أمتّنا اثنتين وأحييتنا ثلاثا » ؛ إذ ليس المراد إلّا ذكر ما مرّ عليهم من الإماتة والإحياءة ؛ وذلك إماتتان اثنتان وإحياءات ثلاث .
والجواب : أنّه ليس المراد هو مجرّد ذكر الإماتة والإحياء اللّتين مرّتا عليهم كيفما كانتا ، بل ذكر ما كان منهما مورثا لليقين بالمعاد ، وليس الإحياء الدّنيويّ على هذه الصّفة .
وقيل : المراد بالإماتة الأولى : حال النّطفة قبل ولوج الرّوح ، وبالإحياءة الأولى : ما هو حال الإنسان بعد ولوجها ، وبالإماتة الثّانية : إماتته في الدّنيا ، وبالإحياءة الثّانية : إحياءته بالبعث للحساب يوم القيامة . والآية منطبقة على ما في قوله تعالى :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
البقرة : 28 .
ولمّا أحسّوا بعدم صدق الإماتة على حال الإنسان قبل ولوج الرّوح في جسده لتوقّفها على سبق الحياة ، تمحّلوا في تصحيحه تمحّلات عجيبة من أراد الوقوف عليها فليراجع « الكشّاف » وشروحه .
على أنّك قد عرفت أنّ ذكرهم ما مرّ عليهم من الإماتة والإحياءة إشارة إلى أسباب حصول يقينهم بالمعاد ، والحياة الدّنيا والموت الّذي قبلها لا أثر لهما في ذلك .
وقيل : إنّ الحياة الأولى في الدّنيا والثّانية في القبر ، والموتة الأولى في الدّنيا والثّانية في القبر ، ولا تعرّض في