تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 598

مساهمون:

ص٥٩٨
إحياؤهم في الدّنيا ، ثمّ إماتتهم ، ثمّ إحياؤهم . وهذا صريح في أنّ الإحياءات ثلاث ، وقد أطلق فيه الإحياء الثّالث ؛ والأغلب على الظّنّ أنّه عنى به إحياء البعث . وقيل : التّثنية في كلامهم مثلها في قوله تعالى :
ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ
الملك : 4 ، مراد بها التّكرير والتّكثير ، فكأنّهم قالوا : أمتّنا مرّة بعد مرّة وأحييتنا مرّة بعد مرّة ، فعلمنا عظيم قدرتك ، وأنّه لا يتعاصاها الإعادة كما لا يتعاصاها غيرها ، فاعترفنا بذنوبنا الّتي اقترفناها من إنكار ذلك ، وحينئذ فلا عليك أن تعتبر الموت في صلب آدم ، ثمّ الإحياء لأخذ العهد ، ثمّ الإماتة ، ثمّ الإحياء بنفخ الرّوح في الأرحام ، ثمّ الإماتة عند انقضاء الأجل في الدّنيا ، ثمّ الإحياء في القبر للسّؤال أو لغيره ، ثمّ الإماتة فيه ، ثمّ الإحياء للبعث . ولا يخفى أنّه على ما فيه إنّما يتمّ لو كان المقول أمتّنا إماتتين أو كرّتين وأحييتنا إحياءتين أو كرّتين مثلا دون ما في المنزل ، فإنّ ( اثنتين ) فيه وصف لإماتتين ولإحياءتين ، وهو دافع لاحتمال إرادة التّكثير ، كما قيل في :
إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ
النّحل : 51 ، وبناء الأمر على أنّ العدد لا مفهوم له لا يخلو عن بحث . ومن غرائب ما قيل في ذلك ما روي عن محمّد بن كعب : أنّ الكافر في الدّنيا حيّ الجسد ميّت القلب ، فاعتبرت الحالتان ، فهناك إماتة وإحياء للقلب والجسد في الدّنيا ، ثمّ إماتتهم عند انقضاء الآجال ، ثمّ إحياؤهم للبعث ، ومثل هذا يحكى ليطّلع على حاله . ( 24 : 51 ) ابن عاشور : والمراد بإحدى الموتتين : الحالة الّتي يكون بها الجنين لحما لا حياة فيه في أوّل تكوينه ، قبل أن ينفخ فيه الرّوح ، وإطلاق الموت على تلك الحالة مجاز ، وهو مختار الزّمخشريّ والسّكّاكيّ ، بناء على أنّ حقيقة الموت انعدام الحياة من الحيّ بعد أن اتّصف بالحياة ، فإطلاقه على حالة انعدام الحياة قبل حصولها فيه استعارة ، إلّا أنّها شائعة في القرآن حتّى ساوت الحقيقة ، فلا إشكال في استعمال ( امتّنا ) في حقيقته ومجازه ، ففي ذلك الفعل جمع بين الحقيقة والاستعارة التّبعيّة تبعا لجريان الاستعارة في المصدر ، ولا مانع من ذلك ، لأنّه واقع ووارد في الكلام البليغ ، كاستعمال المشترك في معنييه . والّذين لا يرون تقييد مدلول الموت بأن يكون حاصلا بعد الحياة ، يكون إطلاق الموت على حالة ما قبل الاتّصاف بالحياة عندهم واضحا . وتقدّم في قوله تعالى :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
البقرة : 28 ، على أنّ إطلاق الموت على الحالة الّتي قبل نفخ الرّوح في هذه الآية أسوغ ، لأنّ فيه تغليبا للموتة الثّانية . وأمّا الموتة الثّانية فهي الموتة المتعارفة عند انتهاء حياة الإنسان والحيوان . والمراد بالإحياءتين : الإحياءة الأولى عند نفخ الرّوح في الجسد بعد مبدأ تكوينه ، والإحياءة الثّانية الّتي تحصل عند البعث ، وهو في معنى قوله تعالى :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
البقرة : 28 . وانتصب ( اثنتين ) في الموضعين على الصّفة لمفعول مطلق محذوف . والتّقدير : موتتين اثنتين وإحياءتين اثنتين ، فيجيء في تقدير موتتين تغليب الاسم الحقيقيّ على الاسم المجازيّ عند من يقيّد معنى الموت .