تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 594

مساهمون:

ص٥٩٤
في الدّنيا ، والإحياءة الأولى هي الّتي في الدّنيا والثّانية هي الّتي بعد البعث . وأورد على هذا القول أنّه يلزم أن لا تكون الإحياءة في القبر والإماتة فيه مذكورتين في القرآن ، بل تكونان منفيّتين مع ورودهما في الحديث ؟ أجاب بعضهم : بأنّ حياة القبر والإماتة ممنوعة ، لأنّه تعالى لم يذكرها ، والأحاديث الواردة فيها آحاد ، ولأنّ الّذي افترسه السّبع لو أعيد حيّا لزم نقصان شيء من السّبع وليس بمحسوس ؛ ولأنّ الّذي مات لو تركناه ظاهرا بحيث يراه كلّ أحد لم يحسّ منه حياة . وتجويز ذلك مع عدم الرّؤية سفسطة ، وفتح لباب الجهات . وزيّف هذا الجواب أهل الاعتبار : بأنّ عدم ذكر الشّيء لا يدلّ على عدمه ، والأحاديث في ذلك الباب صحيحة مقبولة . وإذا كان الإنسان جوهرا نورانيّا مشرقا مدبّرا للبدن في كلّ طور على حدّ معلوم - كما ورد في الشّريعة الحقّة - زالت سائر الإشكالات ، ولا يلزم قياس ما بعد الموت على ما قبله . وللشّرع في إخفاء هذه الأمور عن نظر المكلّفين حكم ظاهرة حقّقناها لك مرّات . وقال بعضهم في الجواب : هذا كلام الكفّار فلا يكون حجّة . وضعّف بأنّه لو لم يكن صادقا لأنكر اللّه عليهم . وقيل : إنّ مقصودهم تعديد أوقات البلاء والمحنة وهي أربعة : الموتة الأولى ، والحياة في القبر ، والموتة الثّانية ، والحياة في القيامة . فأمّا الحياة في الدّنيا فإنّها وقت ترفّههم وتنعّمهم فلهذا السّبب لم يذكروها . وقيل : أهملوا ذكر حياة القبر لقصر مدّتها ، أو لأنّهم لم يموتوا بعد ذلك بل يبقون أحياء في الشّقاوة حتّى اتّصل بها حياة القيامة ، وكانوا من جملة المستثنين في قوله :
فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ
الزّمر : 68 ، ولا يخفى أنّ أكثر هذه الأقوال متكلّفة ولا سيّما الأخير ، فإنّ قوله :
الَّذِينَ كَفَرُوا
المؤمن : 10 ، عامّ ، ولو فرض أنّه مخصوص بكفّار معهودين فتخصيصهم بالحياة في القبر حتّى يكونوا من المستثنين بعيد جدّا . وقد يدور في الخلد أنّ هذا النّداء يحتمل أن يكون في القبر وعلى هذا لا يبقى إشكال ؛ لأنّ الإماتة والإحياء الّتي بعد ذلك تخرج من غير تكلّف ، وثبت سؤال القبر كما جاء في الحديث ، واللّه تعالى أعلم بمراده . ( 24 : 30 ) أبو حيّان : [ نقل قول السّدّيّ وابن زيد ثمّ قال : ] فعلى هذا والّذي قبله تكون ثلاثة إحياآت ، وهو خلاف القرآن . ( 7 : 453 ) أبو السّعود : [ نحو الزّمخشريّ وأضاف : ] صفتان لمصدري الفعلين المذكورين ، أي إماتتين وإحياءتين ، أو موتتين وحياتين ، على أنّهما مصدران لهما أيضا بحذف الزّوائد ، أو لفعلين يدلّ عليهما المذكوران ، فإنّ الإماتة والإحياء ينبئان عن الموت والحياة حتما ، كأنّه قيل : أمتّنا فمتّنا موتتين اثنتين ، وأحييتنا فحيينا حياتين اثنتين . [ ثمّ استشهد بشعر ] قيل : أرادوا بالإماتة الأولى : خلقهم أمواتا ، وبالثّانية : إماتتهم عند انقضاء آجالهم ، على أنّ الإماتة جعل الشّيء عادم الحياة أعمّ من أن يكون بإنشائه كذلك ، كما في قولهم : سبحان من صغّر البعوض وكبّر الفيل ، أو بجعله كذلك بعد الحياة . وبالإحياءين : الإحياء