الأوّل وإحياء البعث .
وقيل : أرادوا بالإماتة الأولى : ما بعد حياة الدّنيا ، وبالثّانية : ما بعد حياة القبر ، وبالإحياءين : ما في القبر وما عند البعث ، وهو الأنسب بحالهم .
وأمّا حديث لزوم الزّيادة على النّصّ ضرورة تحقّق حياة الدّنيا ، فمدفوع ، لكن لا بما قيل : من عدم اعتدادهم بها لزوالها وانقضائها وانقطاع آثارها وأحكامها ، بل بأنّ مقصودهم إحداث الاعتراف بما كانوا ينكرونه في الدّنيا ، كما ينطق به قولهم :
فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا
[ إلى أن قال : ]
وأمّا الإحياء الأوّل فلم يكونوا ينكرونه لينظموه في سلك ما اعترفوا به ، وزعموا أنّ الاعتراف يجديهم نفعا ، وإنّما ذكروا الموتة الأولى مع كونهم معترفين بها في الدّنيا ، لتوقّف حياة القبر عليها ، وكذا حال الموتة في القبر ، فإنّ مقصدهم الأصليّ هو الاعتراف بالإحياءين ، وإنّما ذكروا الإماتتين لترتيبهما عليهما ذكرا ، حسب ترتّبهما عليهما وجودا . ( 5 : 410 )
الآلوسيّ :
قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ
صفتان لمصدري الفعلين ، والتّقدير : أمتّنا إماتتين اثنتين وأحييتنا إحياءتين اثنتين .
وجوّز كون المصدرين موتتين وحياتين ، وهما إمّا مصدران للفعلين المذكورين أيضا بحذف الزّوائد ، أو مصدران لفعلين آخرين يدلّ عليهما المذكوران ، فإنّ الإماتة والإحياء ينبئان عن الموت والحياة حتما ، فكأنّه أمتّنا فمتنا موتتين اثنتين ، وأحييتنا فحيينا حياتين اثنتين . [ ثمّ استشهد بشعر ]
واختلف في المراد بذلك ، فقيل : أرادوا بالإماتة الأولى : خلقهم أمواتا ، وبالثّانية : إماتتهم عند انقضاء آجالهم ، وبالإحياءة الأولى : إحياءتهم بنفخ الرّوح فيهم وهم في الأرحام ، وبالثّانية : إحياءتهم بإعادة أرواحهم إلى أبدانهم للبعث . وأخرج هذا ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه عن ابن عبّاس وجماعة منهم الحاكم ، وصحّحه عن ابن مسعود ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر عن قتادة ، وروي أيضا عن الضّحّاك وأبي مالك ، وجعلوا ذلك نظير آية البقرة :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
البقرة : 28 .
والإماتة إن كانت حقيقة في جعل الشّيء عادم الحياة سبق بحياة أم لا ، فالأمر ظاهر ، وإن كانت حقيقة في تصيير الحياة معدومة بعد أن كانت موجودة - كما هو ظاهر كلامهم - حيث قالوا : إنّ صيغة الإفعال وصيغة التّفعيل موضوعتان للتّصيير ، أي النّقل من حال إلى حال ، ففي إطلاقها على ما عدّ إماتة أولى خفاء ، لاقتضاء ذلك سبق الحياة ، ولا سبق فيما ذكر .
ووجّه بأنّ ذلك من باب المجاز ، كما قرّروه في « ضيّق فم الرّكيّة ووسّع أسفلها » . قالوا : إنّ الصّانع إذا اختار أحد الجائزين ، وهو متمكّن منهما على السّواء ، فقد صرف المصنوع الجائز عن الآخر ، فجعل صرفه عنه كنقله منه ، يعني أنّه تجوّز بالإفعال أو التّفعيل الدّالّ على التّصيير - وهو النّقل من حال إلى حال أخرى - عن لازمه ، وهو الصّرف عمّا في حيّز الإمكان . ويتبعه جعل الممكن الّذي تجوّز إرادته بمنزلة الواقع . وكذا جعل الأمر في « ضيّق فم الرّكيّة » مثلا بإنشائه على الحال الثّانية بمنزلة أمره بنقله عن غيرها ، ولذا جعله بعض الأجلّة بمنزلة الاستعارة