بالكناية ، فيكون مجازا مرسلا مستتبعا للاستعارة بالكناية ، فالمراد بالإماتة هناك الصّرف لا النّقل .
وذكر بعضهم أنّه لا بدّ من القول بعموم المجاز لئلّا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز في الآية ، أو استعمال المشترك في معنييه ، بناء على زعم أنّ الصّيغة مشتركة بين الصّرف والنّقل . ومن أجاز ما ذكر لم يحتجّ للقول بذلك .
وفي « الكشف » آثر جار اللّه أنّ إحدى الإماتتين ما ذكر في قوله تعالى :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
البقرة :
28 ، وإطلاقها عليه من باب المجاز - وهو مجاز مستعمل في القرآن - ، وقد ذكر وجه التّجوّز . وتحقيق ذلك يبتنى على حرف واحد : وهو أنّ الإحياء معناه جعل الشّيء حيّا ، فالمادّة التّرابيّة أو النّطفيّة إذا أفيضت عليها الحياة ، صدق أنّها صارت ذات حياة على الحقيقة ؛ إذ لا يحتاج إلى سبق موت على الحقيقة ، بل إلى سبق عدم الحياة .
فهناك إحياء حقيقة . وأمّا الإماتة فإن جعل بين الموت والحياة التّقابل المشهوريّ استدعى المسبوقيّة بالحياة ، فلا تصحّ الإماتة قبلها حقيقة . وإن جعل التّقابل الحقيقيّ صحّت ، لكنّ الظّاهر في الاستعمال بحسب عرفي العرب والعجم أنّه مشهوريّ إنتهى .
وأراد بالمشهوريّ والحقيقيّ ما ذكروه في التّقابل بالعدم والملكة ، فإنّهم قالوا : فالمتقابلان بالعدم والملكة وهما أمران ، يكون أحدهما وجوديّا والآخر عدم ذلك الوجوديّ في موضوع قابل له إن اعتبر قبوله بحسب شخصه في وقت اتّصافه بالأمر العدميّ ، فهو العدم والملكة المشهوران كالكوسجيّة ، فإنّها عدم اللّحية عمّا من شأنه في ذلك الوقت أن يكون ملتحيا ، فإنّ الصّبيّ لا يقال له : كوسج ، وإن اعتبر قبوله أعمّ من ذلك بأن لا يقيّد بذلك الوقت ، كعدم اللّحية عن الطّفل ، أو يعتبر قبوله بحسب نوعه كالعمى للأكمه ، أو جنسه القريب كالعمى للعقرب ، أو البعيد كعدم الحركة الإراديّة عن الجبل ، فإنّ جنسه البعيد ، أعني الجسم الّذي هو فوق الجماد قابل للحركة الإراديّة ، فهو العدم والملكة الحقيقيّان ، لكن في بناء اقتضاء المسبوقيّة بالحياة وعدمه على ذلك خفاء ، وإن ضمّ إليه التّعبير بصيغة الماضي ، كما لا يخفى على المتدّبر .
ثمّ وجّه تسبّب الإماتة مرّتين والإحياء كذلك لقوله تعالى :
فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا ،
أنّهم قد أنكروا البعث فكفروا ، وتبع ذلك من الذّنوب ما لا يحصى ؛ لأنّ من لم يخش العاقبة ، تخرّق في المعاصي ، فلمّا رأوا الإماتة والإحياء قد تكرّر عليهم ، علموا بأنّ اللّه تعالى قادر على الإعادة قدرته على الإنشاء ، فاعترفوا بذنوبهم الّتي اقترفوها من إنكار البعث ، وما تبعه من معاصيهم .
وقال السّدّيّ : أرادوا بالإماتة الأولى : إماتتهم عند انقضاء آجالهم ، وبالإحياءة الأولى : إحياءتهم في القبر للسّؤال ، وبالإماتة الثّانية : إماتتهم بعد هذه الإحياءة إلى قيام السّاعة ، وبالإحياءة الثّانية : إحياءتهم للبعث .
واعترض عليه بأنّه يلزم هذا القائل ثلاث إحياءات ، فكان ينبغي أن يكون المنزل أحييتنا ثلاثا .
فإن ادّعى عدم الاعتداد بالإحياءة المعروفة ، وهي الّتي كانت في الدّنيا لسرعة انصرامها وانقطاع آثارها وأحكامها ، لزمه أن لا يعتدّ بالإماتة بعدها .