اللّفظ عليه ، فأمّا إثبات حياة القبر فإنّه يقتضي إثبات شيء زائد على ما دلّ عليه اللّفظ ، مع أنّ اللّفظ لا إشعار فيه بثبوته ولا بعدمه ، فكان هذا أولى .
وأمّا ما ذكروه في المعارضة الأولى فنقول : قوله :
يَحْذَرُ الْآخِرَةَ
الزّمر : 9 ، تدخل فيه الحياة الآخرة سواء كانت في القبر أو في القيامة . وأمّا المعارضة الثّانية فجوابها أنّا نرجّح قولنا بالأحاديث الصّحيحة الواردة في عذاب القبر .
وأمّا الوجهان العقليّان فمدفوعان ، لأنّا إذا قلنا : إنّ الإنسان ليس عبارة عن هذا الهيكل ، بل هو عبارة عن جسم نورانيّ سار في هذا البدن ، كانت الإشكالات الّتي ذكرتموها غير واردة في هذا الباب ، واللّه أعلم .
المسألة الثّانية : اعلم أنّا لمّا أثبتنا حياة القبر ، فيكون الحاصل في حقّ بعضهم أربعة أنواع من الحياة ، وثلاثة أنواع من الموت ، والدّليل عليه قوله تعالى في سورة البقرة : 243 :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ ،
فهؤلاء أربعة مراتب في الحياة : حياتان في الدّنيا ، وحياة في القبر ، وحياة رابعة في القيامة .
المسألة الثّالثة : قوله : ( اثنتين ) نعت لمصدر محذوف ، والتّقدير : إماتتين اثنتين . ثمّ حكى اللّه عنهم أنّهم قالوا :
فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا
فإن قيل : ( الفاء ) في قوله :
فَاعْتَرَفْنا
تقتضي أن تكون الإماتة مرّتين ، والإحياء مرّتين سببا لهذا الاعتراف فبيّنوا هذه السببيّة .
قلنا : لأنّهم كانوا منكرين للبعث ، فلمّا شاهدوا الإحياء بعد الإماتة مرّتين ، لم يبق لهم عذر في الإقرار بالبعث ، فلا جرم وقع هذا الإقرار كالمسبّب عن ذلك الإحياء وتلك الإماتة . ( 27 : 39 )
القرطبيّ : اختلف أهل التّأويل في معنى قولهم :
أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ
[ نقل الأقوال إلى أن نقل قول السّدّيّ وأضاف : ]
وإنّما صار إلى هذا ؛ لأنّ لفظ الميّت لا ينطلق في العرف على النّطفة ، واستدلّ العلماء من هذا في إثبات سؤال القبر ، ولو كان الثّواب والعقاب للرّوح دون الجسد فما معنى الإحياء والإماتة ؟ والرّوح عند من يقصر أحكام الآخرة على الأرواح لا تموت ولا تتغيّر ولا تفسد ، وهو حيّ لنفسه لا يتطرّق إليه موت ولا غشية ولا فناء .
( 15 : 297 )
البيضاويّ :
رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ
إماتتين بأن خلقتنا أمواتا أوّلا ، ثمّ صيّرتنا أمواتا عند انقضاء آجالنا ، فإنّ الإماتة جعل الشّيء عادم الحياة ابتداء أو بتصيير كالتّصغير والتّكبير ، ولذلك قيل : سبحان من صغّر البعوض وكبّر الفيل ، وإن خصّ بالتّصغير فاختيار الفاعل المختار أحد مقبوليه تصيير وصرف له عن الآخر .
وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ :
الإحياءة الأولى وإحياءة البعث . وقيل : الإماتة الأولى : عند انخرام الأجل ، والثّانية :
في القبر بعد الإحياء للسّؤال ، والإحياءان : ما في القبر والبعث ؛ إذ المقصود اعترافهم بعد المعاينة بما غفلوا عنه ولم يكترثوا به . ( 2 : 332 )
النّيسابوريّ : [ ذكر قول « الكشّاف » ثمّ قال : ]
قلت : وممّا يؤيّد قوله إنّه بدأ بالإماتة ، وإلّا كان الأظهر أن يبدأ بالإحياء ، قال : والإماتة الثّانية هي الّتي