الّذين دخلوا الجنّة ، والآية الّتي تمسّكتم بها حكاية قول الكافرين الّذين دخلوا النّار .
وأمّا المعقول فمن وجوه :
الأوّل : وهو أنّ الّذي افترسته السّباع وأكلته لو أعيد حيّا لكان إمّا أن يعاد حيّا بمجموعه ، أو بآحاد أجزائه ، والأوّل باطل ، لأنّ الحسّ يدلّ على أنّه لم يحصل له مجموع . والثّاني باطل ، لأنّه لما أكلته السّباع ، فلو جعلت تلك الأجزاء أحياء لحصلت أحياء في معدة السّباع وفي أمعائها ، وذلك في غاية الاستبعاد .
الثّاني : أنّ الّذي مات لو تركناه ظاهرا بحيث يراه كلّ أحد ، فإنّهم يرونه باقيا على موته ، فلو جوّزنا مع هذه الحالة أنّه يقال : إنّه صار حيّا لكان هذا تشكيكا في المحسوسات ، وإنّه دخول في السّفسطة .
والجواب : قوله : لم لا يجوز أن تكون الموتة الأولى هي الموتة الّتي كانت حاصلة حال ما كان نطفة وعلقة ؟
فنقول : هذا لا يجوز ، وبيانه أنّ المذكور في الآية أنّ اللّه أماتهم ، ولفظ الإماتة مشروط بسبق حصول الحياة ؛ إذ لو كان الموت حاصلا قبل هذه الحالة امتنع كون هذا إماتة ، وإلّا لزم تحصيل الحاصل ، وهو محال . وهذا بخلاف قوله :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً
لأنّ المذكور في هذه الآية أنّهم كانوا أمواتا ، وليس فيها أنّ اللّه أماتهم ، بخلاف الآية الّتي نحن في تفسيرها ، لأنّها تدلّ على أنّ اللّه تعالى أماتهم مرّتين ، وقد بيّنّا أنّ لفظ الإماتة لا يصدق إلّا عند سبق الحياة فظهر الفرق .
أمّا قوله : إنّ هذا كلام الكفّار فلا يكون حجّة .
قلنا : لمّا ذكروا ذلك لم يكذّبهم اللّه تعالى ؛ إذ لو كانوا كاذبين لأظهر اللّه تكذيبهم ، ألا ترى أنّهم لمّا كذّبوا في قولهم :
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
الأنعام : 23 كذّبهم اللّه في ذلك ، فقال :
انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا
الأنعام : 24 .
وأمّا قوله : ظاهر الآية يمنع من إثبات حياة في القبر ؛ إذ لو حصلت هذه الحياة لكان عدد الحياة ثلاث مرّات لا مرّتين .
فنقول : الجواب عنه من وجوه :
الأوّل : هو أنّ مقصودهم تعديل أوقات البلاء والمحنة ، وهي أربعة : الموتة الأولى ، والحياة في القبر ، والموتة الثّانية ، والحياة في القيامة . فهذه الأربعة أوقات البلاء والمحنة ، فأمّا الحياة في الدّنيا فليست من أقسام أوقات البلاء والمحنة ، فلهذا السّبب لم يذكروها .
الثّاني : لعلّهم ذكروا الحياتين : وهي الحياة في الدّنيا ، والحياة في القيامة ، أمّا الحياة في القبر فأهملوا ذكرها لقلّة وجودها وقصر مدّتها .
الثّالث : لعلّهم لمّا صاروا أحياء في القبور لم يموتوا بل بقوا أحياء : إمّا في السّعادة ، وإمّا في الشّقاوة ، واتّصل بها حياة القيامة ، فكانوا من جملة من أرادهم اللّه بالاستثناء في قوله :
فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ
الزّمر : 68 .
الرّابع : لو لم تثبت الحياة في القبر لزم أن لا يحصل الموت إلّا مرّة واحدة ، فكان إثبات الموت مرّتين كذبا .
وهو على خلاف لفظ القرآن ، أمّا لو أثبتنا الحياة في القبر لزمنا إثبات الحياة ثلاث مرّات ، والمذكور في القرآن مرّتين ، أمّا المرّة الثّالثة فليس في اللّفظ ما يدلّ على ثبوتها أو عدمها . فثبت أنّ نفي حياة القبر يقتضي ترك ما دلّ