الحياة ، فلا يموتون بعدها ، ويعدّهم في المستثنين من الصّعقة . ( 3 : 418 )
ابن عطيّة : واختلف المفسّرون في معنى قولهم :
[ وذكر الآية ثمّ نقل قول ابن عبّاس وابن زيد وقال : ]
وهذا قول ضعيف ، لأنّ الإحياء فيه ثلاث مرّات .
[ ثمّ نقل قول السّدّيّ وقال : ]
وهذا أيضا يدخله الاعتراض الّذي في القول قبله ، والأوّل أثبت الأقوال . ( 4 : 549 )
الفخر الرّازيّ : وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : احتجّ أكثر العلماء بهذه الآية في إثبات عذاب القبر ، وتقرير الدّليل أنّهم أثبتوا لأنفسهم موتتين ؛ حيث قالوا :
رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ
فأحد الموتتين مشاهد في الدّنيا ، فلا بدّ من إثبات حياة أخرى في القبر حتّى يصير الموت الّذي يحصل عقيبها موتا ثانيا ؛ وذلك يدلّ على حصول حياة في القبر .
فإن قيل : قال كثير من المفسّرين : الموتة الأولى إشارة إلى الحالة الحاصلة عند كون الإنسان نطفة وعلقة ، والموتة الثّانية إشارة إلى ما حصل في الدّنيا ، فلم لا يجوز أن يكون الأمر كذلك ؟ والّذي يدلّ على أنّ الأمر ما ذكرناه قوله تعالى :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
البقرة : 28 ، والمراد من قوله :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً
الحالة الحاصلة عند كونه نطفة وعلقة .
وتحقيق الكلام أنّ الإماتة تستعمل بمعنيين : أحدهما :
إيجاد الشّيء ميّتا ، والثّاني : تصير الشّيء ميّتا بعد أن كان حيّا ، كقولك : وسّع الخيّاط ثوبي ، يحتمل أنّه خاطه واسعا ، ويحتمل أنّه صيّره واسعا بعد أن كان ضيّقا ، فلم لا يجوز في هذه الآية أن يكون المراد بالإماتة : خلقها ميّتة ، ولا يكون المراد : تصييرها ميّتة بعد أن كانت حيّة ؟
السّؤال الثّاني : أنّ هذا كلام الكفّار ، فلا يكون حجّة .
السّؤال الثّالث : أنّ هذه الآية تدلّ على المنع من حصول الحياة في القبر . وبيانه أنّه لو كان الأمر كذلك لكان قد حصلت الحياة ثلاث مرّات : أوّلها في الدّنيا ، وثانيها في القبر ، وثالثها في القيامة . والمذكور في الآية ليس إلّا حياتين فقط ، فتكون إحداهما الحياة في الدّنيا ، والحياة الثّانية في القيامة ، والموت الحاصل بينهما هو الموت المشاهد في الدّنيا .
السّؤال الرّابع : أنّه إن دلّت هذه الآية على حصول الحياة في القبر ، فهاهنا ما يدلّ على عدمه ؛ وذلك بالمنقول والمعقول : أمّا المنقول فمن وجوه :
الأوّل : قوله تعالى :
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ
الزّمر : 9 ، فلم يذكر في هذه الآية إلّا الحذر عن الآخرة ، ولو حصلت الحياة في القبر لكان الحذر عنها حاصلا ، ولو كان الأمر كذلك لذكره ، ولمّا لم يذكره علمنا أنّه غير حاصل .
الثّاني : أنّه تعالى حكى في سورة الصّافّات عن المؤمنين المحقّين أنّهم يقولون بعد دخولهم في الجنّة :
أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى
58 ، 59 ، ولا شكّ أنّ كلام أهل الجنّة حقّ وصدق ، ولو حصلت لهم حياة في القبر لكانوا قد ماتوا موتتين ؛ وذلك على خلاف قوله :
أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى
قالوا :
والاستدلال بهذه الآية أقوى من الاستدلال بالآية الّتي ذكر تموها ؛ لأنّ الآية الّتي تمسّكنا بها حكاية قول المؤمنين