تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 586

مساهمون:

ص٥٨٦
وتكرّر هذه الحياة يسمّى بالتّناسخ أو عودة الأرواح . الآية تصرّح بعدم وجود أكثر من حياة واحدة بعد الموت ، هي حياة البعث والنّشور . وبعبارة أخرى توضّح الآية أنّ للإنسان حياتين ومماتين لا أكثر ، وكان الإنسان ميّتا يوم كان جزء من الطّبيعة غير الحيّة ، ثمّ أحياه اللّه يوم ولد ، ثمّ يميته ، ثمّ يعيده . ولو كان التّناسخ صحيحا لكان للإنسان أكثر من مماتين وحياتين . هذا المفهوم مذكور في آيات أخرى أيضا ، سنشير إليه في موضعه . فكرة التّناسخ إذن مرفوضة قرآنيّا ، كما أنّها مرفوضة عقليّا ، وهي نوع من الرّجعيّة والانتكاس في قانون التّكامل . جدير بالذّكر أنّ هذه الآية لا تشير إلى الحياة البرزخيّة - الحياة بين الموت والنّشور - . بل إلى الحياة بعد الموت في هذه الدّنيا - إحياء الإنسان بعد تكوّنه من موادّ طبيعيّة ميّتة - ، ثمّ الموت بعد هذه الحياة الدّنيويّة ، ثمّ الحياة الأخرى ، واستمرار المسيرة التّكامليّة نحو اللّه . ( 1 : 132 ) فضل اللّه :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ
أيّها النّاس ، وأنتم تملكون العقل الّذي يتحرّك من خلال مفردات الحسّ الّذي يتزوّد بعناصر الفكر ، وطاقة الوعي المتحرّك الّتي توجّهه نحو التّأمّل والدّراسة والمقارنة بين الأشياء ، والاستنتاج الحيّ المنفتح على حقائق العقيدة والحياة . وللعقل أكثر من طريق يؤدّي بكم إلى معرفة اللّه من دون حاجة إلى الاستغراق في التّجريد الفكريّ والعمق الفلسفيّ ، لأنّ الواقع الحيّ الّذي تعيشونه في وجودكم ، وتتحسّسونه في مشاعركم ، هو الّذي يمنحكم الإيمان باللّه ، من موقع الوجدان المنفتح على الفطرة ، والفكر المتحرّك في نطاق البديهة .
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً
قبل وجودكم ، حيث كان العدم هو الأفق الّذي يحتويكم في دائرته ، فليس هناك أيّ شيء يربطكم بالوجود في ذاتيّاتكم ، أو في الأسباب الطّبيعيّة الّتي تفرضها طبيعة الأشياء في ذاتها ، الأمر الّذي جعل مسألة الحياة بحاجة إلى إرادة الخالق القادر الّذي يبدع الحياة في التّراب ، ويحوّل الدّم إلى نطفة ، لتتطوّر النّطفة في مسيرة الحياة إلى علقة ، فمضغة ، فعظام ، فلحم ، فإنسان سويّ ، تتحرّك فيه الرّوح ، وينفتح فيه الإحساس .
فَأَحْياكُمْ ،
وكانت الحياة هي الّتي تختصر تفاصيل وجودكم في الوعي والحسّ والحركة والإبداع والإنتاج ، في عمليّة تكامل مع الوجود الّذي ينسجم مع وجودكم ، وتفاعل مع الحياة في تنوّعاتها ، ومع الإنسان الآخر في عطاءاته الكثيرة ، وهي الّتي تنفتح على المسؤوليّات الّتي تجعل لكلّ طاقة قدرا من المسؤوليّة في بناء الذّات على الصّورة الّتي يريدها اللّه ، وبناء المجتمع على المنهج الّذي يرضاه ، لتكون الحياة حياة العقل والحسّ والوعي والانفتاح على الطّاقات الدّاخليّة للحياة وللإنسان .
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ،
لتدخلوا من جديد في غياهب الموت الّذي يفصلكم عن هذه الحياة الّتي أبدعها اللّه فيكم ، فيغيب وجودكم عنها ، ويبتعد دوركم عن ساحاتها ،
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 586 | مجمع البحوث الاسلامية