تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 584

مساهمون:

ص٥٨٤
ونبات ومعدن وغير ذلك ، من ماء أو هواء وما يشاكلها ، وكلّ موجود من الموجودات الطّبيعيّة كذلك ، أي إنّه مفطور على الارتباط مع غيره ليفعل وينفعل ويستبقي به موهبة وجوده ، غير أنّ نطاق عمل الإنسان ومجال سعيه أوسع ؛ كيف ؟ وهذا الموجود الأعزل على أنّه يخالط الموجودات الأخر الطّبيعيّة بالقرب والبعد والاجتماع والافتراق بالتّصرّفات البسيطة ، لغاية مقاصده البسيطة في حياته ، فهو من جهة تجهيزه بالإدراك والفكر يختصّ بتصرّفات خارجة عن طوق سائر الموجودات بالتّفصيل والتّركيب والإفساد والإصلاح ، فما من موجود إلّا وهو في تصرّف الإنسان ، فزمانا يحاكي الطّبيعة بالصّناعة فيما لا يناله من الطّبيعة ، وزمانا يقاوم الطّبيعة بالطّبيعة . وبالجملة فهو مستفيد لكلّ غرض من كلّ شيء ، ولا يزال مرور الدّهور على هذا النّوع العجيب ، يؤيّده في تكثير تصرّفاته وتعميق أنظاره ، ليحقّ اللّه الحقّ بكلماته ، وليصدّق قوله :
سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ
الجاثية : 13 ، وقوله :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
البقرة : 29 . وكون الكلام واقعا موقع بيان النّعم لتمام الامتنان يعطي أن يكون الاستواء إلى السّماء لأجل الإنسان ، فيكون تسويتها سبعا أيضا لأجله ، وعليك بزيادة التّدبّر فيه . فذاك الّذي ذكرناه من صراط الإنسان في مسير وجوده ، وهذا الّذي ذكرناه من شعاع عمله في تصرّفاته في عالم الكون ، هو الّذي يذكره سبحانه من العالم الإنسانيّ ، ومن أين يبتدئ وإلى أين ينتهي . غير أنّ القرآن كما يعدّ مبدأ حياته الدّنيويّة آخذة في الشّروع من الطّبيعة الكونيّة ومرتبطة بها أحيانا ، كذلك يربطها بالرّبّ تعالى وتقدّس ، فقال تعالى :
وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً
مريم : 9 ، وقال تعالى :
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ
البروج : 13 ، فالإنسان وهو مخلوق مربّى في مهد التّكوين ، مرتضع من ثدي الصّنع والإيجاد ، متطوّر بأطوار الوجود ، يرتبط سلوكه بالطّبيعة الميّتة ، كما أنّه من جهة الفطر والإبداع مرتبط متعلّق بأمر اللّه وملكوته ، قال تعالى :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
يس : 82 ، وقال تعالى :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
النّحل : 40 . فهذا من جهة البدء ، وأمّا من جهة العود والرّجوع فيعدّ صراط الإنسان متشعّبا إلى طريقين : طريق السّعادة وطريق الشّقاوة ، فأمّا طريق السّعادة فهو أقرب الطّرق يأخذ في الانتهاء إلى الرّفيع الأعلى ، ولا يزال يصعد الإنسان ويرفعه حتّى ينتهي به إلى ربّه . وأمّا طريق الشّقاوة فهو طريق بعيد يأخذ في الانتهاء إلى أسفل السّافلين ، حتّى ينتهي إلى ربّ العالمين ، واللّه من ورائهم محيط ، وقد مرّ بيان ذلك في ذيل قوله تعالى :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
من سورة الفاتحة : 5 . فهذا إجمال القول في صراط الإنسان ، وأمّا تفصيل القول في حياته قبل الدّنيا ، وفيها وبعد الدّنيا فسيأتي كلّ في محلّه ، غير أنّ كلامه تعالى إنّما يتعرّض لذلك من جهة ارتباطه بالهداية والضّلال والسّعادة والشّقاء ، ويطوي البحث عمّا دون ذلك إلّا بمقدار يماسّ غرض القرآن المذكور . ( 1 : 111 )