تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 583

مساهمون:

ص٥٨٣
تشتمل على إماتتين ، فلو كان إحداهما الموت النّاقل من الدّنيا لم يكن بدّ في تصوير الإماتة الثّانية من فرض حياة بين الموتين وهو البرزخ ، وهو استدلال تامّ اعتني به في بعض الرّوايات أيضا . وربّما ذكر بعض المنكرين للبرزخ أنّ الآيتين ، - أعني قوله :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ
الآية ، وقوله :
قالُوا رَبَّنا
الآية - متّحدتا السّياق ، وقد اشتملتا على موتين وحياتين ، فمدلولهما واحد ، والآية الأولى ظاهرة في أنّ الموت الأوّل هو حال الانسان قبل ولوج الرّوح في الحياة الدّنيا ، فالموت والحياة الأوليان هما الموت قبل الحياة الدّنيا والحياة الدّنيا ، والموت والحياة الثّانيتان هما الموت عن الدّنيا والحياة يوم البعث ، والمراد بالمراتب في الآية الثّانية هو ما في الآية الأولى ، فلا معنى لدلالتها على البرزخ . وهو خطأ فإنّ الآيتين مختلفتان سياقا ؛ إذ المأخوذ في الآية الأولى موت واحد وإماتة واحدة وإحيائان ، وفي الآية الثّانية إماتتان وإحيائان ، ومن المعلوم أنّ الإماتة لا يتحقّق لها مصداق من دون سابقة حياة بخلاف الموت ، فالموت الأوّل في الآية الأولى غير الإماتة الأولى في الآية الثّانية ، فلا محالة في قوله تعالى :
أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ
الإماتة الأولى هي الّتي بعد الدّنيا ، والإحياء الأوّل بعدها للبرزخ ، والإماتة والإحياء الثّانيتان للآخرة يوم البعث . وفي قوله تعالى :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
إنّما يريد الموت قبل الحياة وهو موت وليس بإماتة ، والحياة هي الحياة الدّنيا . وفي قوله تعالى :
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
حيث فصّل بين الإحياء والرّجوع بلفظ ( ثمّ ) تأييد لما ذكرنا هذا . قوله تعالى :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً
بيان حقيقة الإنسان من حيث وجوده ، فهو وجود متحوّل متكامل ، يسير في مسير وجوده المتبدّل المتغيّر تدريجا ، ويقطعه مرحلة مرحلة ، فقد كان الإنسان قبل نشأته في الحياة الدّنيا ميّتا ، ثمّ حيي بإحياء اللّه ، ثمّ يتحوّل بإماتة وإحياء وهكذا ، وقد قال سبحانه :
وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ
السّجدة : 7 ، 8 ، 9 ، وقال تعالى :
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
المؤمنون : 14 ، وقال تعالى :
وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ * قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ
السّجدة : 10 ، 11 ، وقال تعالى :
مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى
طه : 55 . والآيات كما ترى - وسنزيدها توضيحا في محالّها - تدلّ على أنّ الإنسان جزء من الأرض غير مفارقها ولا مباين معها ، انفصل منها ثمّ شرع في التّطوّر بأطواره حتّى بلغ مرحلة أنشئ فيها خلقا آخر ، فهو المتحوّل خلقا آخر والمتكامل بهذا الكمال الجديد الحديث ، ثمّ يأخذ ملك الموت هذا الإنسان من البدن نوع أخذ يستوفيه ، ثمّ يرجع إلى اللّه سبحانه ، فهذا صراط وجود الإنسان . ثمّ إنّ الإنسان صاغه التّقدير صوغا يرتبط به مع سائر الموجودات الأرضيّة والسّماويّة ، من بسائط العناصر وقواها المنبجسة منها ومركّباتها من حيوان