تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 585

مساهمون:

ص٥٨٥
مكارم الشّيرازيّ : القرآن يبدأ في أدلّته من نقطة لا تقبل الإنكار ، ويركّز على مسألة الحياة بكلّ ما فيها من تعقيد وغموض ، ويقول :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ .
وفي هذه العبارة تذكير للإنسان بما كان عليه قبل الحياة ، لقد كان ميّتا تماما مثل الأحجار والأخشاب ، ولم يكن فيه أيّ أثر للحياة ، لكنّه الآن يتمتّع بنعمة الحياة ، وبنعمة الشّعور والإدراك . من الّذي منح الإنسان نعمة الحياة ؟ هل أنّ الكائن البشريّ هو الّذي منح نفسه الحياة ؟ ! كلّ إنسان منصف لا يتردّد أن يجيب : أنّ هذه الحياة موهوبة للإنسان من لدن عالم قادر ، عالم برموز الحياة وقوانينها المعقّدة ، وقادر على تنظيمها . إذن كيف يكفر هذا الإنسان بمن أحياه بعد موته ؟ ! أجمعت العلماء اليوم أنّ مسألة الحياة أعقد مسألة في عالمنا هذا ، لأنّ لغز الحياة لم ينحلّ حتّى اليوم على الرّغم من كلّ ما حقّقه البشر من تقدّم هائل في حقل العلم والمعرفة . قد يستطيع العلم في المستقبل أن يكتشف بعض أسرار الحياة ، لكن السّؤال يبقى قائما بحاله : كيف يكفر الإنسان باللّه وينسب هذه الحياة بتعقيداتها وغموضها وأسرارها إلى صنع الطّبيعة العمياء الصّمّاء الفاقدة لكلّ شعور وإدراك ؟ ! من هنا نقول : إنّ ظاهرة الحياة في عالم الطّبيعة أعظم سند لإثبات وجود اللّه تعالى ، والقرآن يركز في الآية المذكورة على هذه المسألة بالذّات ، وهي مسألة تحتاج إلى مزيد من الدّراسة والتّعمّق ، لكنّنا نكتفي هنا بهذه الإشارة . بعد التّذكير بهذه النّعمة ، تؤكّد الآية دليلا واضحا آخر وهو « الموت »
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ .
ظاهرة « الموت » يراها الإنسان في حياته اليوميّة ، من خلال وفاة من يعرفهم ومن لا يعرفهم ، وهذه الظّاهرة تبعث أيضا على التّفكير . من الّذي قبض أرواحهم ؟ ألا يدلّ سلب الحياة منهم على أنّ هناك من منحهم هذه الحياة ؟ نعم ، إنّ خالق الحياة هو خالق الموت أيضا ، وإلى ذلك تشير الآية الكريمة :
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
الملك : 2 . بعد أن ذكرت الآية هذين الدّليلين الواضحين على وجود اللّه ، تناولت المعاد والحياة بعد الموت :
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ .
ويأتي ذكر المعاد في سياق هذه الآية ليبيّن أنّ مسألة الحياة بعد الموت - المعاد - مسألة طبيعيّة جدّا ، لا تختلف عن مسألة إحياء الإنسان في هذه الدّنيا . وهل بمقدور إنسان أن ينكر إمكان المعاد ، وهو يرى أنّه خلق من عناصر ميّتة ؟ ! وهكذا ، وبعبارة موجزة رائعة يفتح القرآن أمام الإنسان سجّل حياته منذ ولادته وحتّى بعثه . ( 1 : 129 ) التّناسخ أو عودة الأرواح الآية المذكورة من الآيات الّتي ترفض بوضوح فكرة التّناسخ ، فالمعتقدون بالتّناسخ يؤمنون بأنّ الإنسان يعود بعد الموت ثانية إلى هذه الحياة ، بعد أن تحلّ روحه في جسم آخر و « نطفة أخرى » ، ويحيا في هذه الدّنيا حياة أخرى . وقد تتكرّر هذه العودة مرّات .