الموت . فالموت : عدم ، والحياة : ملكة ، وكلاهما موجود مخلوق ، قال تعالى :
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ
في سورة الملك : 2 .
وليس المقصود من قوله :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
الامتنان ، بل هو استدلال محض ذكر شيئا يعدّه النّاس نعمة ، وشيئا لا يعدّونه نعمة وهو الموتتان ، فلا يشكل وقوع قوله :
أَمْواتاً ،
وقوله :
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
في سياق الآية .
وأمّا قوله :
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
فذلك تفريع عن الاستدلال ، وليس هو بدليل ؛ إذ المشركون ينكرون الحياة الآخرة ، فهو إدماج وتعليم وليس باستدلال ، أو يكون ما قام من الدّلائل على أنّ هناك حياة ثانية قد قام مقام العلم بها ، وإن لم يحصل العلم ، فإنّ كلّ من علم وجود الخالق العدل الحكيم ، ورأى النّاس لا يجرون على مقتضى أوامره ونواهيه ، فيرى المفسد في الأرض في نعمة ، والصّالح في عناء ، علم أنّ عدل اللّه وحكمته ما كان ليضيع عمل عامل ، وأنّ هنالك حياة أحكم وأعدل من هذه الحياة ، تكون أحوال النّاس فيها على قدر استحقاقهم وسموّ حقائقهم . ( 1 : 370 )
مغنيّة : المراد بالموتة الأولى المشار إليها ب
كُنْتُمْ أَمْواتاً
المراد بها : العدم السّابق ، والمراد بالإحياء الأوّل
فَأَحْياكُمْ :
الخلق بعد العدم ، والموت الثّاني
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
هو الموت المعهود ، والإحياء : البعث للحساب والجزاء
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .
وتسأل : هل الرّوح تفارق الجسد بعد نفاد قواه الموجبة للحياة ؛ بحيث لو بقيت هذه القوى مئات السّنين لبقي الإنسان معها حيّا ، أو أنّه من الممكن أن تفارق الرّوح الجسم ، حتّى مع وجود القوى بكاملها ، ودون أن يطرأ أيّ خلل على الجسم ؟
ذهب المادّيّون إلى الأوّل ، وقال غيرهم بالثّاني ، أمّا قوله تعالى :
فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ
الأعراف : 33 ، أمّا هذه الآية فتحتمل الوجهين ، لأنّها لم تبيّن سبب الأجل : هل هو فساد الجسم ، أو شيء آخر ؟ وأمّا قوله سبحانه :
الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا
البقرة : 243 ، وقوله :
قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ
البقرة : 259 ، أمّا هاتان الآيتان فإنّهما قضيّتان في واقعتين لا تتعدّيانهما إلى بقيّة الوقائع ، كما هو الشّأن في القواعد العامّة ، والمبادئ الكلّيّة .
ومهما يكن ، فلا شيء لدينا يوجب القطع والجزم ، ولكن الّذي نشاهده بالوجدان أنّ كثيرا من النّاس يدركهم الموت ، وهم في مقتبل العمر ، وأوج الصّحة والسّلامة ، وأنّ كثيرا منهم يسرحون ويمرحون ، وهم في سنّ متقدّمة وفيهم أكثر من داء . وكم من طبيب ماهر قال لمريضه : ستموت بعد ساعات فعاش سنوات ، وقد يحدث العكس . ( 1 : 76 )
الطّباطبائيّ :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً
الآية قريبة السّياق من قوله تعالى :
قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ
المؤمن : 11 ، وهذه من الآيات الّتي يستدلّ بها على وجود البرزخ بين الدّنيا والآخرة ، فإنّها