تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 581

مساهمون:

ص٥٨١
من العناصر المتفرّقة في الهواء والأرض فجمعت في الغذاء وهو موجود ثان ميّت ، ثمّ استخلصت منه الأمزجة من الدّم وغيره وهي ميّتة ، ثمّ استخلص منه النّطفتان للذّكر والأنثى ، ثمّ امتزج فصار علقة ثمّ مضغة ، كلّ هذه أطوار أوّليّة لوجود الإنسان ، وهي موجودات ميّتة ، ثمّ بثّت فيه الحياة بنفخ الرّوح . فأخذ في الحياة إلى وقت الوضع فما بعده ، وكان من حقّهم أن يكتفوا به دليلا على انفراده تعالى بالإلهيّة . وإطلاق الأموات هنا مجاز شائع ، بناء على أنّ الموت هو عدم اتّصاف الجسم بالحياة ، سواء كان متّصفا بها من قبل - كما هو الإطلاق المشهور في العرف - أم لم يكن متّصفا بها ، إذا كان من شأنه أن يتّصف بها ، فعلى هذا يقال للحيوان - في أوّل تكوينه نطفة وعلقة ومضغة - : ميّت ، لأنّه من شأنه أن يتّصف بالحياة ، فيكون إطلاق الأموات في هذه الآية عليهم حين كانوا غير متّصفين بالحياة إطلاقا شائعا ، والمقصود به التّمهيد لقوله :
فَأَحْياكُمْ ،
ثمّ التّمهيد والتّقريب لقوله :
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ .
وقال كثير من أئمّة اللّغة : الموت : انعدام الحياة بعد وجودها ، وهو مختار الزّمخشريّ والسّكّاكيّ وهو الظّاهر ، وعليه فإطلاق الأموات عليهم في الحالة السّابقة على حلول الحياة استعارة . واتّفق الجميع على أنّه إطلاق شائع في القرآن ، فإن لم يكن حقيقة فهو مجاز مشهور قد ساوى الحقيقة وزال الاختلاف . والحياة : ضدّ الموت ، وهي في نظر الشّرع نفخ الرّوح في الجسم . وقد تعسّر تعريف الحياة أو تعريف دوامها على الفلاسفة المتقدّمين والمتأخّرين تعريفا حقيقيّا بالحدّ ، وأوضح تعاريفها بالرّسم ، أنّها قوّة ينشأ عنها الحسّ والحركة ، وأنّها مشروطة باعتدال المزاج والأعضاء الرّئيسيّة الّتي بها تدوم الدّورة الدّمويّة . والمراد بالمزاج : التّركيب الخاصّ المناسب مناسبة تليق بنوع ما من المركّبات العنصريّة ، وذلك التّركيب يحصل من تعادل قوى وأجزاء بحسب ما اقتضته حالة الشّيء المركّب مع انبثات الرّوح الحيوانيّ ، فباعتدال ذلك التّركيب يكون النّوع معتدلا ، ولكلّ صنف من ذلك النّوع مزاج يخصّه بزيادة تركيب ، ولكلّ شخص من الصّنف مزاج يخصّه ، ويتكوّن ذلك المزاج على النّظام الخاصّ تنبعث الحياة في ذي المزاج في إبّان نفخ الرّوح فيه ، وهي المعبّر عنها بالرّوح النّفسانيّ . وقد أشار إلى هذا التّكوين حديث التّرمذيّ عن عبد اللّه بن مسعود : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمّه أربعين يوما نطفة ، ثمّ يكون علقة مثل ذلك ، ثمّ يكون مضغة مثل ذلك ، ثمّ يرسل إليه الملك فينفخ فيه الرّوح » . فأشار إلى حالات التّكوين الّتي بها صار المزاج مزاجا مناسبا حتّى انبعثت فيه الحياة . ثمّ بدوام انتظام ذلك المزاج تدوم الحياة ، وباختلاله تزول الحياة ؛ وذلك الاختلال هو المعبّر عنه بالفساد . ومن أعظم الاختلال فيه اختلال الرّوح الحيوانيّ وهو الدّم إذا اختلّت دورته فعرض له فساد ، وبعروض حالة توقّف عمل المزاج وتعطّل آثاره يصير الحيّ شبيها بالميّت كحالة المغمى عليه وحالة العضو المفلوج ، فإذا انقطع عمل المزاج فذلك
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 581 | مجمع البحوث الاسلامية