تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 580

مساهمون:

ص٥٨٠
وإطلاق الأموات على تلك الأجسام الجماديّة ، إمّا حقيقة ، بناء على أنّ الميّت عادم الحياة مطلقا ، كما في قوله تعالى :
بَلْدَةً مَيْتاً
الفرقان : 49 ، و
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ
يس : 33 ، أو استعارة ، جريا على أنّ إطلاق الميّت فيما تصحّ فيه الحياة ، لاجتماعهما في أن لا روح ولا إحساس .
فَأَحْياكُمْ
بخلق الأرواح ، ونفخها فيكم . وإنّما عطفه ب « الفاء » لأنّه متّصل بما عطف عليه ، غير متراخ عنه بخلاف البواقي .
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
عند تقضّي آجالكم ،
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
بالنّشور ، والبعث ، للحساب والجزاء . ( 2 : 89 ) رشيد رضا : أي والحال إنّكم كنتم قبل هذه النّشأة الأولى من حياتكم الدّنيا أمواتا منبثّة أجزاؤكم في الأرض ، بعضها في طبقتها الجامدة ، وبعضها في طبقتها السّائلة ، وبعضها في طبقتها الغازيّة الهوائيّة ، لا فرق في ذلك بينها وبين أجزاء سائر الحيوان والنّبات ، فخلقكم أطوارا من سلالة من طين ، فكنتم بالطّور الأخير في أحسن تقويم ، وفضّلكم على غيركم بما وهبكم من العقل والإدراك ، وما سخّر لكم من الكائنات .
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
بقبض الرّوح الحيّ الّذي به نظام حياتكم هذه ، فتنحلّ أبدانكم بمفارقته إيّاها ، وتعود إلى أصلها الميّت ، وتنبثّ في طبقات الأرض ، وتدغم في عوالمها ، حتّى ينعدم هذا الوجود الخاصّ بها .
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
حياة ثانية ، كما أحياكم بعد الموتة الأولى بلا فرق ، إلّا ما تكون به الحياة الثّانية أرقى في مرتبة الوجود ، وأكمل لمن يزكّون أنفسهم في تلك ، وأدنى منها وأسفل فيمن يدسّونها ويفسدون فطرتها . [ إلى أن قال : ] لا يقال : كيف يحتجّ عليهم بالحياة الثّانية قبل الإيمان بالوحي الّذي هو دليلها ومثبتها ؟ لأنّه احتجاج على مجموع النّاس بما عليه الأكثرون منهم ، ولا عبرة بالشّذّاذ المنكرين للبعث في هذا المقام ؛ لأنّ الاحتجاج بالحياة الأولى بعد الموتة الأولى كاف للتّعجّب من كفرهم باللّه ، وإنكارهم عليه أن يضرب مثلا مّا لهداية النّاس ، زعما أنّ هذا لا يليق بعظمته ، فإنّ من أوجد هذا الإنسان الكريم ، وجعله في أحسن تقويم ، وركّب صورته من تلك الذّرّات الصّغيرة ، والنّطفة المهينة الحقيرة والعلقة الدّمويّة أو الدّوديّة والمضغة اللّحميّة ،
لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها
البقرة : 26 . والكلام مسوق لإبطال شبه منكري المثل والقرآن الّذي جاء به ، لا لإبطال شبه منكري البعث بلوامع شبهه . ثمّ إنّ تمثيل إحدى الحياتين بعد الموت بالأخرى داحض لحجّة من يزعم عدم إمكان الثّانية ؛ لأنّ ما جاز في أحد المثلين جاز في الآخر ، والكلام في إثبات الوحي الإلهيّ للنّبيّ المرسل من البشر ، والإيمان بالبعث تابع له . ( 1 : 245 ) نحوه المراغيّ . ( 1 : 75 ) ابن عاشور :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
جملة حاليّة ، وهي تخلص إلى بيان ما دلّت عليه ( كيف ) بطريق الإجمال ، وبيان أولى الدّلائل على وجوده وقدرته ، وهي ما يشعر به كلّ أحد من أنّه وجد بعد عدم . ولقد دلّ قوله تعالى :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
أنّ هذا الإيجاد على حال بديع ، وهو أنّ الإنسان كان مركّب أشياء موصوفا بالموت ، أي لا حياة فيه ؛ إذ كان قد أخذ