إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ ، أو إليه تنشرون من قبوركم للحساب .
وهذه الأفعال وإن كان بعضها ماضيا وبعضها مستقبلا ، لا يتسنّى مقارنة شيء منها ، لما هو حال منه في الزّمان ، لكنّ الحال في الحقيقة هو العلم المتعلّق بها ، كأنّه قيل : كيف تكفرون باللّه وأنتم عالمون بهذه الأحوال المانعة منه ؟ ! ومآله التّعجيب من وقوعه مع تحقّق ما ينفيه . وإنّما نظم ما ينكرونه من الإحياء الأخير والرّجع في سلك ما يعترفون به من الإحياء الأوّل والإماتة ، تنزيلا لتمكّنهم من العلم ، لما عاينوه من الدّلائل القاطعة منزلة العلم بذلك بالفعل في إزاحة العلل والأعذار .
والحياة حقيقة في القوّة الحسّاسة أو ما يقتضيها ، وبها سمّي الحيوان حيوانا ، مجاز في القوّة النّامية ، لكونها من طلائعها ، وكذا فيما يخصّ الإنسان من العقل والعلم والإيمان ، من حيث إنّه كمالها وغايتها .
والموت بإزائها يطلق على ما يقابل كلّ مرتبة من تلك المراتب ، قال تعالى :
قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
الجاثية : 26 ، وقال تعالى :
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
الحديد : 17 ، وقال تعالى :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ
الأنعام :
122 ، وعند وصفه تعالى بها يراد صحة اتّصافه تعالى بالعلم والقدرة اللّازمة لهذه القوّة فينا ، أو معنى قائم بذاته تعالى مقتض لذلك . ( 1 : 104 )
البروسويّ : أي والحال إنّكم كنتم أمواتا ، أي أجساما لا حياة لها ، عناصر وأغذية ونطفا ومضغا مخلّقة وغير مخلّقة . [ ثمّ نقل قول الزّمخشريّ ] ( 1 : 90 )
الآلوسيّ : [ ذكر إعراب الآية وقال : ]
والحياة : قوّة تتّبع الاعتدال النّوعيّ ، ويفيض منها سائر القوى . وقيل : القوّة الحسّاسة ، والعضو المفلوج حيّ وإلّا لتسارع إليه الفساد ، وعدم الإحساس بالفعل لا يدلّ على عدم القوّة ، لجواز فقدان الأثر لمانع . وكأنّهم أرادوا من ذلك قوّة اللّمس ؛ لأنّ مغايرة الحياة لما عداه من الحواسّ ظاهرة ، فإنّها مختصّة بعضو دون عضو ، وأنّها مفقودة في بعض أنواع الحيوانات ، وأنّه يلزم تعدّد الحياة بالنّوع في شخص واحد ، إن قيل بكون الحياة لكلّ واحد منها ، وتركّبها في الخارج ، إن أريد مجموعها .
وتطلق مجازا على القوّة النّامية . لأنّها من طلائعها ومقدّماتها ، وعلى ما يخصّ الإنسان من الفضائل كالعقل والعلم والإيمان ، من حيث إنّها كمالها وغايتها . والموت مقابل لها في كلّ مرتبة ، والكلّ في كتاب اللّه تعالى .
وحياته سبحانه وتعالى صحّة اتّصافه جلّ شأنه بالعلم والقدرة ، أو معنى قائم بذاته تعالى يقتضي ذلك .
[ ثمّ نقل الأقوال المتقدّمة وقال : ]
وأبعد الأقوال عندي حمل الموت الأوّل على المعهود بعد انقضاء الأجل ، والإحياء الأوّل على ما يكون للمسألة في القبر ، فيكون قد وضع الماضي موضع المستقبل لتحقّق الوقوع . ثمّ لا دليل في الآية على المختار لنفي عذاب القبر ، إذ نهاية ما فيها عدم ذكر الإحياء المصحّح له ، ونحن لا نستدلّ لها بذلك الوجه عليه ولنا . - والحمد للّه تعالى - في ذلك المطلب أدلّة شتّى . ( 2131 )
القاسميّ :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً
أجساما لا حياة لها عناصر ، وأغذية ، ونطفا ، ومضغا مخلّقة وغير مخلّقة .