تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 578

مساهمون:

ص٥٧٨
التّعقيب . ومن قال : إنّ الموت الأوّل هو المعهود ، والإحياء الأوّل هو للمسألة ، فيكون فيه الماضي قد وضع موضع المستقبل مجازا لتحقّق وقوعه ، أي وتكونون أمواتا فيحييكم ، كقوله :
أَتى أَمْرُ اللَّهِ
النّحل : 1 . وقد استدّل بهذه الآية قوم على نفي عذاب القبر ، لأنّه ذكر تعالى موتتين وحياتين ، ولم يذكر حياة بين إحيائهم في الدّنيا وإحيائهم في الآخرة . قالوا : ولا يجوز أن يستدلّ بقوله تعالى :
رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ
المؤمن : 11 ، لأنّه من كلام الكفّار ، ولأنّ كثيرا من النّاس أثبتوا حياة الذّرّ في صلب آدم . والجواب أنّه لا يلزم من عدم ذكر هذه الحياة للمسألة عدمها قبل . وأيضا فيمكن أن يكون قوله :
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
هو للمسألة ، ولذلك قال :
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
فعطف ب « ثمّ » الّتي تقتضي التّراخي في الزّمان . والرّجوع إلى اللّه تعالى حاصل عقب الحياة الّتي للبعث ، فدلّ ذلك على أنّ تلك الحياة المذكورة هي للمسألة . قال الحسن : ذكر الموت مرّتين ، هذا لأكثر النّاس ، وأمّا بعضهم فقد أماتهم ثلاث مرّات
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ
البقرة : 259 ،
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ
البقرة : 243 ،
فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ
البقرة : 260 ، الآيات . وفي قوله تعالى :
فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
دليل على اختصاصه تعالى بذلك ، ودليل على النّشر والحشر . والظّاهر في قوله تعالى :
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
أنّ الهاء عائدة على اللّه سبحانه وتعالى . [ ثمّ ذكر وجوها أخرى له ] ( 1 : 130 ) أبو السّعود :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً
إلى آخر الآية ، حال من ضمير الخطاب في ( تكفرون ) مؤكّدة للإنكار ، والاستبعاد بما عدّد فيها من الشّؤون العظيمة الدّاعية إلى الإيمان الرّادعة من الكفر ، من حيث كونها نعمة عامّة ، ومن حيث دلالتها على قدرة تامّة ، كقوله تعالى :
وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً
نوح : 14 . و ( كيف ) منصوبة على التّشبيه بالظّرف عند سيبويه ، وبالحال عند الأخفش ، أي في أيّ حال ، أو على أيّ حال تكفرون به تعالى ، والحال أنّكم كنتم أمواتا ، أي أجساما لا حياة لها ، عناصر وأغذية ونطفا ومضغا مخلّقة وغير مخلّقة . و ( الأموات ) جمع : ميّت ، كأقوال : جمع قيل ، وإطلاقها على تلك الأجسام باعتبار عدم الحياة مطلقا ، كما في قوله تعالى :
بَلْدَةً مَيْتاً
الفرقان : 49 ، وقوله تعالى :
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ
يس : 33 ،
فَأَحْياكُمْ
بنفخ الأرواح فيكم . و « الفاء » للدّلالة على التّعقيب ، فإنّ الإحياء حاصل إثر كونهم أمواتا ، وإن توارد عليهم في تلك الحالة أطوار مترتّبة بعضها متراخ عن بعض ، كما أشير إليه آنفا .
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
أي عند انقضاء آجالكم ، وكون الإماتة من دلائل القدرة ظاهر ، وأمّا كونها من النّعم فلكونها وسيلة إلى الحياة الثّانية الّتي هي الحيوان والنّعمة العظمى ، والتّراخي المستفاد من كلمة ( ثمّ ) بالنّسبة إلى زمان الإحياء دون زمان الحياة ، فإنّ زمان الإماتة غير متراخ عنه .
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
بالنّشور يوم ينفخ في الصّور أو للسّؤال في القبور ، وأيّا ما كان فهو متراخ من زمان الإماتة ، وإن كان إثر زمان الموت المستمرّ .
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
بعد الحشر لا إلى غيره ، فيجازيكم بأعمالكم