واختار الزّمخشريّ أنّ الموت الأوّل كونهم نطفا في أصلاب آبائهم فجعلهم أحياء ، ثمّ يميتهم بعد هذه الحياة ، ثمّ يحييهم بعد الموت ، ثمّ يحاسبهم .
وجوّز أيضا أن يكون المراد بالإحياء الثّاني : الإحياء في القبر ، وبالرّجوع : النّشور ، وأن يراد بالإحياء الثّاني أيضا : النّشور ، وبالرّجوع : المصير إلى الجزاء . وهذا الّذي جوّز أن يراد به الإحياء في القبر لا يفهم منه أنّه يحيا للمسألة في القبر ، ولا لأن ينعّم فيه أو يعذّب ، لأنّه ليس مذهبه ، لأنّ المعتزلة وأتباعهم أنكروا عذاب القبر ، وأهل السّنّة والكراميّة أثبتوه بلا خلاف بينهم ، إلّا أنّ أهل السّنّة يقولون : يحيا الميّت الكافر فيعذّب في قبره ، والفاسق يجوز أن يعذّب في قبره ، والكراميّة تقول :
يعذّب وهو ميّت . والأحاديث الصّحيحة قد استفاضت بعذاب القبر ، فوجب القول به واعتقاده .
واختار صاحب « المنتخب » أنّ المراد بقوله : أمواتا ، أي ترابا ونطفا ؛ لأنّ ابتداء خلق آدم من التّراب وخلق سائر المكلّفين من أولاده - إلّا عيسى على نبيّنا وعليه أفضل الصّلاة والسّلام - من النّطف . قال : واختلفوا فالأكثرون على أنّ إطلاق اسم الميّت على الجماد مجاز ، لأنّ الميّت من يحلّه الموت ، ولا بدّ أن يكون بصفة من يجوز أن يكون حيّا في العادة . والقول : بأنّه حقيقة في الجماد مرويّ عن قتادة ، انتهى كلامه .
وتفسيره الأموات بالتّراب والنّطف لا يظهر ذلك في التّراب ، لأنّ المخلوق من التّراب لم يتّصف بالصّفة الّتي أنكرت أو تعجب منها وقتا قطّ ، فكيف يندرج في قوله :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً ؟
والّذي نختاره أنّ كونهم ( أمواتا ) هو من وقت استقرارهم نطفا في الأرحام إلى تمام الأطوار بعدها ، وأنّ الحياة الأولى نفخ الرّوح بعد تلك الأطوار من النّطفة والعلقة والمضغة واكتساء العظام لحما ، والإماتة الثّانية هي المعهودة ، والإحياء هو البعث بعد الموت ، ويكون الإحياء الأوّل والموت الأوّل والإحياء الثّاني حقيقة ، وأمّا كونهم ( أمواتا ) فمن ذهب إلى أنّ الجماد يوصف بالموت حقيقة فيكون إذ ذاك حقيقة .
ومن ذهب إلى المجاز فهو مجاز سائغ قريب ، لأنّه على كلّ حال موجود فقرب اتّصافه بالموت ، بخلاف من زعم أنّه أريد به كونه معدوما وكونه في الصّلب ، أو حين كان آدم طينا ، فإنّ المجاز في ذلك بعيد ، لأنّ ذلك عدم صرف ، والعدم الّذي لم يسبقه وجود يبعد فيه أن يسمّى موتا ، ألا ترى ما أطلق عليه في اللّغة لفظ الموت ممّا لا تحلّه الحياة ، كيف يكون موجودا لا عدما صرفا ؟
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ
يس : 33 .
فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى
فصّلت : 39 ،
وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ
الأنبياء : 30 ، وتقول العرب : أرض موات .
وأمّا قول من ذهب إلى أنّ الموت الأوّل هو الخمول والإحياء الأوّل هو التّنويه والذّكر ، فمجاز بعيد هنا ؛ لأنّه متى أمكن الحمل على الحقيقة أو المجاز القريب كان أولى ، وقد أمكن ذلك بما ذكرناه .
ثمّ أكثر تلك الأقاويل يبعد فيها التّعقيب ب « الفاء » في قوله :
فَأَحْياكُمْ
لأنّ بين ذاك الموت والإحياء مدّة طويلة ، وعلى ما اخترناه تكون الفاء دالّة على معناها من