تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 576

مساهمون:

ص٥٧٦
والإماتة إلّا اللّه ، فيبطل قول الدّهريّ :
وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ
الجاثية : 24 . ومنها : الدّلالة على صحّة الحشر والنّشر ، مع التّنبيه على الدّليل القطعيّ الدّالّ عليه ، لأنّ الإعادة أهون من الإبداء . ومنها : الدّلالة على التّكليف والتّرغيب والتّرهيب . ومنها : الدّلالة على وجوب الزّهد في الدّنيا ، لأنّه قال :
فَأَحْياكُمْ
أي بعقب كونكم نطفا من غير تخلّل حالة أخرى بينهما .
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
بعد انقضاء مهلة الحياة . ثمّ بيّن أنّه لا يترك على هذا الموت بل لا بدّ من حياة ثانية للسّؤال أو للحشر ، ثمّ من الرّجوع إليه للثّواب أو العقاب . فبيّن سبحانه أنّه بعد ما كان نطفة فإنّه أحياه ، وصوّره أحسن صورة ، وجعله بشرا سويّا ، وأكمل عقله وبصره بأنواع المضارّ والمنافع ، وملّكه الأموال والأولاد والدّور والقصور . ثمّ إنّه تعالى يزيل كلّ ذلك عنه ، بأن يميته ويصيّره بحيث لا يملك شيئا ، ولا يبقى منه في الدّنيا خبر ولا أثر ، ويبقى مدّة مديدة في اللّحد :
وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
المؤمنون : 100 ، ينادى فلا يجيب ، ويستنطق فلا يتكلّم ، ثمّ لا يزوره الأقربون بل ينساه الأهل والبنون . ( 1 : 223 ) أبو حيّان : [ نقل قول الزّمخشريّ وأضاف : ] ونحن نقول : إنّه على إضمار « قد » كما ذهب إليه أكثر النّاس ، أي وقد كنتم أمواتا فأحياكم . والجملة الحاليّة عندنا فعليّة ، وأمّا أن نتكلّف ونجعل تلك الجملة اسميّة حتّى نفرّ من إضمار « قد » فلا نذهب إلى ذلك . وإنّما حمل الزّمخشريّ على ذلك اعتقاده أنّ جميع الجمل مندرجة في الحال . [ إلى أن قال : ] ولا يتعيّن أن تكون جميع الجمل مندرجة في الحال إذ يحتمل أن يكون الحال قوله :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
ويكون المعنى كيف تكفرون باللّه وقد خلقكم ، فعبّر عن الخلق بقوله تعالى :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ .
ونظيره قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أن تجعل للّه ندّا وهو خلقك » أي أنّ من أوجدك بعد العدم الصّرف حريّ أن لا تكفر به ، لأنّه لا نعمة أعظم من نعمة الاختراع ، ثمّ نعمة الاصطناع ، وقد شمل النّعمتين قوله تعالى :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ،
لأنّ بالإحياء حصلتا ، ألا ترى أنّها تضمّنت الجملة الإيجاد والإحسان إليك بالتّربية ، والنّعم إلى زمان أن توجّه عليك إنكار الكفر . [ ثمّ نقل الأقوال ، ونقل قول ابن عطيّة أيضا وقال : ] وهو كلام حسن . وللمنسوبين إلى علم الحقائق أقوال تخالف ما تقدّم : أحدها : أمواتا بالشّرك فأحياكم بالتّوحيد . الثّاني : أمواتا بالجهل فأحياكم بالعلم . الثّالث : أمواتا بالاختلاف فأحياكم بالائتلاف . الرّابع : أمواتا بحياة نفوسكم وإماتتكم بإماتة نفوسكم وإحياء قلوبكم . الخامس : أمواتا عنه فأحياكم به ، قاله الشّبليّ . السّادس : أمواتا بالظّواهر فأحياكم بمكاشفة السّرائر ، قاله ابن عطاء . السّابع : أمواتا بشهودكم فأحياكم بمشاهدته ، ثمّ يميتكم عن شواهدكم ، ثمّ يحييكم بقيام الحقّ عنه ، ثمّ إليه ترجعون عن جميع مالكم ، قاله فارس .