البيضاويّ :
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
عند تقضّي آجالكم
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
بالنّشور يوم نفخ الصّور أو للسّؤال في القبور ،
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
بعد الحشر فيجازيكم بأعمالكم أو تنشرون إليه من قبوركم للحساب ، فما أعجب كفركم مع علمكم بحالتكم هذه .
فإن قيل : إن علموا أنّهم كانوا أمواتا فأحياهم ثمّ يميتهم ، لم يعلموا أنّه يحييهم ثمّ إليه ترجعون ؟
قلت : تمكّنهم من العلم بهما لما نصب لهم من الدّلائل منزّل منزلة علمهم في إزاحة العذر ، سيّما وفي الآية تنبيه على ما يدلّ على صحّتهما ، وهو أنّه تعالى لمّا قدر على إحيائهم أوّلا قدر على أن يحييهم ثانيا ، فإنّ بدء الخلق ليس بأهون عليه من إعادته ، أو الخطاب مع القبيلين ، فإنّه سبحانه لمّا بيّن دلائل التّوحيد والنّبوّة ، ووعدهم على الإيمان ، وأوعدهم على الكفر ، أكّد ذلك بأن عدّد عليهم النّعم العامّة والخاصّة ، واستقبح صدور الكفر منهم ، واستبعده عنهم مع تلك النّعم الجليلة ، فإنّ عظم النّعم يوجب عظم معصية المنعم .
فإن قيل : تعدّ الإماتة من النّعم المقتضية للشّكر ؟
قلت : لمّا كانت وصلة إلى الحياة الثّانية الّتي هي الحياة الحقيقيّة - كما قال اللّه تعالى :
وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ
العنكبوت : 64 - كانت من النّعم العظيمة ، مع أنّ المعدود عليهم نعمة هو المعنى المنتزع من القصّة بأسرها ، كما أنّ الواقع حالا هو العلم بها لا كلّ واحدة من الجمل ، فإنّ بعضها ماض وبعضها مستقبل ، وكلاهما لا يصحّ أن يقع حالا ، أو مع المؤمنين خاصّة لتقرير المنّة عليهم ، وتبعيد الكفر عنهم ، على معنى كيف يتصوّر منكم الكفر ، وكنتم أمواتا جهّالا ، فأحياكم بما أفادكم من العلم والإيمان ، ثمّ يميتكم الموت المعروف ، ثمّ يحييكم الحياة الحقيقيّة ، ثمّ إليه ترجعون ، فيثيبكم بما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت . ولا خطر على قلب بشر . والحياة حقيقيّة في القوّة الحسّاسة أو يقتضيها ، وبها سمّي الحيوان حيوانا مجازا في القوّة النّامية ؛ لأنّها من طلائعها ومقدّماتها ، وفيما يخصّ الإنسان من الفضائل كالعقل والعلم والإيمان ، من حيث إنّها كمالها وغايتها . والموت بإزائها يقال على ما يقابلها في كلّ مرتبة . قال تعالى :
قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
الجاثية : 26 ، وقال :
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
الحديد : 17 ، وقال :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ
الأنعام :
122 ، وإذا وصف بها الباري تعالى ، أريد بها صحّة اتّصافه بالعلم والقدرة اللّازمة لهذه القوّة فينا ، أو معنى قائم بذاته يقتضي ذلك على الاستعارة . ( 1 : 43 )
النّسفيّ : [ نحو البغويّ وأضاف : ]
وإنّما كان العطف الأوّل ب « الفاء » والبواقي ب « ثمّ » ، لأنّ الإحياء الأوّل قد تعقّب الموت بلا تراخ ، وأمّا الموت فقد تراخى عن الحياة ، والحياة الثّانية كذلك تتراخى عن الموت ، إن أريد النّشور ، وإن أريد إحياء القبر فمنه يكتسب العلم بتراخيه ، والرجوع إلى الجزاء أيضا متراخ عن النّشور . ( 1 : 39 )
النّيسابوريّ : واعلم أنّ هذه الآية دالّة على أمور :
منها : اشتمالها على وجود ما يدلّ على الصّانع القادر ، العالم الحيّ ، السّميع البصير ، الغنيّ عمّا سواه .
ومنها : الدّلالة على أنّه لا قدرة على الإحياء