تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 573

مساهمون:

ص٥٧٣
الموت لتمام الاحتجاج لا لكونه نعمة . وفي هذه الآية دلالة على أنّه تعالى لم يرد من عباده الكفر ، ولا خلقه فيهم ، لأنّه لو أراده منهم أو خلقه فيهم ، لم يجز أن يضيفه إليهم بقوله :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ؟
كما لا يجوز أن يقول لهم : كيف أو لم كنتم طوالا أو قصارا ، وما أشبه ذلك . ممّا هو من فعله تعالى فيهم ؟ ( 1 : 71 ) الفخر الرّازيّ : اعلم أنّه سبحانه وتعالى لمّا تكلّم في دلائل التّوحيد والنّبوّة والمعاد إلى هذا الموضع ، فمن هذا الموضع إلى قوله :
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ
البقرة : 40 ، في شرح النّعم الّتي عمّت جميع المكلّفين ، وهي أربعة : أوّلها : نعمة الإحياء ، وهي المذكورة في هذه الآية . واعلم أنّ قوله :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ
وإن كان بصورة الاستخبار فالمراد به : التّبكيت والتّعنيف ، لأنّ عظم النّعمة يقتضي عظم معصية المنعم ، يبيّن ذلك أنّ الوالد كلّما عظمت نعمته على الولد بأن ربّاه وعلّمه وخرّجه وموّله وعرضه للأمور الحسان ، كانت معصيته لأبيه أعظم ، فبيّن سبحانه وتعالى بذلك عظم ما أقدموا عليه من الكفر ، بأن ذكّرهم نعمه العظيمة عليهم ، ليزجرهم بذلك عمّا أقدموا عليه من التّمسّك بالكفر ، ويبعثهم على اكتساب الإيمان ، فذكر تعالى من نعمه ما هو الأصل في النّعم وهو الإحياء ، فهذا هو المقصود الكلّيّ . فإن قيل : لم كان العطف الأوّل ب « الفاء » والبواقي ب « ثمّ » ؟ قلنا : لأنّ الإحياء الأوّل قد يعقب الموت بغير تراخ ، وأمّا الموت فقد تراخى عن الإحياء ، والإحياء الثّاني كذلك متراخ عن الموت ، إن أريد به النّشور تراخيا ظاهرا . وهاهنا مسائل : [ إلى أن قال : ] المسألة الثّانية : اتّفقوا على أنّ قوله :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً
المراد به : وكنتم ترابا ونطفا ، لأنّ ابتداء خلق آدم من التّراب ، وخلق سائر المكلّفين من أولاده - إلّا عيسى عليه السّلام - من النّطف . لكنّهم اختلفوا في أنّ إطلاق اسم الميّت على الجماد حقيقة أو مجاز ، والأكثرون على أنّه مجاز ، لأنّه شبّه الموات بالميّت ، وليس أحدهما من الآخر بسبيل ، لأنّ الميّت ما يحلّ به الموت ، ولا بدّ وأن يكون بصفة من يجوز أن يكون حيّا في العادة ، فيكون اللّحميّة والرّطوبة . وقال الأوّلون هو حقيقة فيه ، وهو مرويّ عن قتادة ، قال : كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم فأحياهم اللّه تعالى ، ثمّ أخرجهم ، ثمّ أماتهم الموتة الّتي لا بدّ منها ، ثمّ أحياهم بعد الموت ، فهما حياتان وموتتان . واحتجّوا بقوله :
خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ
الملك : 2 ، والموت المقدّم على الحياة هو كونه مواتا ، فدلّ على أنّ إطلاق الميّت على الموات ثابت على سبيل الحقيقة . والأوّل هو الأقرب ، لأنّه يقال في الجماد : إنّه موات ، وليس بميّت ، فيشبه أن يكون استعمال أحدهما في الآخر على سبيل التّشبيه . قال القفّال : وهو كقوله تعالى :
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً
الدّهر : 1 ، فبيّن سبحانه وتعالى أنّ الإنسان كان لا شيء يذكر فجعله اللّه حيّا ، وجعله سميعا بصيرا . ومجازه من قولهم :