فإن قلت : بعض القصّة ماض وبعضها مستقبل ، والماضي والمستقبل كلاهما لا يصحّ أن يقعا حالا حتّى يكون فعلا حاضرا وقت وجود ما هو حال عنه . فما الحاضر الّذي وقع حالا ؟ قلت : هو العلم بالقصّة ، كأنّه قيل : كيف تكفرون وأنتم عالمون بهذه القصّة بأوّلها وآخرها .
فإن قلت : فقد آل المعنى إلى قولك : على أيّ حال تكفرون في حال علمكم بهذه القصّة فما وجه صحّته ؟
قلت : قد ذكرنا أنّ معنى الاستفهام في « كيف » الإنكار ، وأنّ إنكار الحال متضمّن لإنكار الذّات على سبيل الكناية ، فكأنّه قيل : ما أعجب كفركم مع علمكم بحالكم هذه !
فإن قلت : إن اتّصل عليهم بأنّهم كانوا أمواتا فأحياهم ثمّ يميتهم ، فلم يتّصل بالإحياء الثّاني والرّجوع ؟
قلت : قد تمكّنوا من العلم بهما بالدّلائل الموصلة إليه ، فكان ذلك بمنزلة حصول العلم ، وكثير منهم علموا ثمّ عاندوا .
والأموات : جمع ميّت ، كالأقوال في جمع ، قيل .
فإن قلت : كيف قيل لهم : « أموات » في حال كونهم جمادا ، وإنّما يقال : « ميّت » فيما يصحّ فيه الحياة من البتّيّ ؟
قلت : بل يقال : ذلك لعادم الحياة ، كقوله :
بَلْدَةً مَيْتاً
الفرقان : 49 ،
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ
يس :
33 ،
أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ
النّحل : 21 . ويجوز أن يكون استعارة لاجتماعهما في أن لا روح ولا إحساس .
فإن قلت : ما المراد بالإحياء الثّاني ؟ قلت : يجوز أن يراد به الإحياء في القبر ، وبالرّجوع : النّشور . وأن يراد به النّشور ، وبالرّجوع : المصير إلى الجزاء .
فإن قلت : لم كان العطف الأوّل ب « الفاء » والإعقاب ب « ثمّ » ؟
قلت : لأنّ الإحياء الأوّل قد تعقّب الموت بغير تراخ ، وأمّا الموت فقد تراخى عن الإحياء . والإحياء الثّاني كذلك متراخ عن الموت - إن أريد به النّشور - تراخيا ظاهرا . وإن أريد به إحياء القبر فمنه يكتسب العلم بتراخيه والرّجوع إلى الجزاء أيضا متراخ عن النّشور . ( 1 : 269 )
ابن عطيّة : [ نقل الأقوال وقال : ]
والقول الأوّل [ قول ابن مسعود ] هو أولى هذه الأقوال ؛ لأنّه الّذي لا محيد للكفّار عن الإقرار به في أوّل ترتيبه ، ثمّ إنّ قوله أوّلا :
كُنْتُمْ أَمْواتاً
وإسناده آخرا الإماتة إليه تبارك وتعالى ممّا يقوّي ذلك القول ، وإذا أذعنت نفوس الكفّار لكونهم أمواتا معدومين ، ثمّ للإحياء في الدّنيا ، ثمّ للإماتة فيها ، قوي عليهم لزوم الإحياء الآخر ، وجاء جحدهم له دعوى لا حجّة عليها .
( 1 : 114 )
الطّبرسيّ : [ نقل الأقوال المتقدّمة وأضاف : ]
وإنّما بدأ اللّه تعالى بذكر الحياة من بين سائر النّعم الّتي أنعم بها على العبد ، لأنّ أوّل نعمة أنعم اللّه بها عليه خلقه إيّاه حيّا لينفعه ، وبالحياة يتمكّن الإنسان من الانتفاع والالتذاذ . وإنّما عدّ الموت من النّعم وهو يقطع النّعم في الظّاهر ، لأنّ الموت يقطع التّكليف ، فيصل المكلّف بعد إلى الثّواب الدّائم ، فهو من هذا الوجه نعمة . وقيل : إنّما ذكر