تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 571

مساهمون:

ص٥٧١
للشّيء الدّارس الخامل : إنّه ميّت ، يريد خموله ودرسه . وفي ضدّ ذلك يقال : « هذا أمر حيّ » يراد به ، كأنّه متعالم في النّاس . ومن أراد الإماتة الّتي هي خروج الرّوح من الجسد ، فإنّه أراد بقوله :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً
أنّه خطاب لأهل القبور بعد إحيائهم فيها ، وهذا بعيد ، لأنّ التّوبيخ هنالك إنّما هو توبيخ على ما سلف ، وفرط من إجرامهم ، لا استعتاب واسترداع ، وقوله :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً
توبيخ مستعتب ، وتأنيب مسترجع من خلقه من المعاصي إلى الطّاعة ، ومن الضّلالة إلى الإنابة ، ولا إنابة في القبر ولا توبة فيها بعد الوفاة . وأحسن الوجوه ممّا قدّمنا ما ذكر ابن عبّاس وبعده قول قتادة . ( 1 : 122 ) القشيريّ : هذه كلمة تعجيب وتعظيم لما فيه العبد ، أي لا ينبغي مع ظهور الآيات أن يجنح إلى الكفر قلبه . ويقال : تعرّف إلى الخلق بلوائح دلالاته ، ولوامع آياته ، فقال :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً
يعني نطفة ، أجزاؤها متساوية ، ( فأحياكم ) : بشرا اختصّ بعض أجزاء النّطفة بكونه عظما ، وبعضها بكونه لحما ، وبعضها بكونه شعرا ، وبعضها بكونه جلدا ، إلى غير ذلك .
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
بأن يجعلكم عظاما ورفاتا ،
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
بأن يحشركم بعد ما صرتم أمواتا ،
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ،
أي إلى ما سبق به حكم من السّعادة والشّقاوة . ويقال :
كُنْتُمْ أَمْواتاً
بجهلكم عنّا ، ثمّ ( أحياكم ) بمعرفتكم بنا ،
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
عن شواهدكم ،
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
به بأن يأخذكم عنكم ،
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
أي بحفظ أحكام الشّرع بإجراء الحقّ . ويقال :
كُنْتُمْ أَمْواتاً
لبقاء نفوسكم فأحياكم بفناء نفوسكم ، ثمّ يميتكم عنكم عن شهود ذلك ، لئلّا تلاحظوه فيفسد عليكم ، ثمّ يحييكم بأن يأخذكم عنكم ، ثمّ إليه ترجعون بتقلّبكم في قبضته سبحانه وتعالى . ويقال : يحبس عليهم الأحوال ، فلا حياة بالدّوام ولا فناء بالكلّيّة ، كلّما قالوا : هذه حياة - وبينا هم كذلك - إذ أدال عليهم فأفناهم ، فإذا صاروا إلى الفناء أثبتهم وأبقاهم ، فهم أبدا بين نفي وإثبات ، وبين بقاء وفناء ، وبين صحو ومحو ، كذلك جرت سنّته سبحانه معهم . ( 1 : 85 ) البغويّ : ( أمواتا ) نطفا في أصلاب آبائكم ،
فَأَحْياكُمْ
في الأرحام والدّنيا ،
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
عند انقضاء آجالكم ،
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
للبعث . ( 1 : 100 ) مثله الخازن ( 1 : 37 ) ، ونحوه الشّربينيّ ( 1 : 42 ) . الزّمخشريّ : والواو في قوله :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً
للحال . فإن قلت : فكيف صحّ أن يكون حالا وهو ماض ، ولا يقال : جئت وقام الأمير ، ولكن وقد قام إلّا أن يضمر ( قد ) ؟ قلت : لم تدخل الواو على
كُنْتُمْ أَمْواتاً
وحده ، ولكن على جملة قوله :
كُنْتُمْ أَمْواتاً
إلى
تُرْجَعُونَ ،
كأنّه قيل : كيف تكفرون باللّه وقصّتكم هذه ، وحالكم أنّكم كنتم أمواتا نطفا في أصلاب آبائكم فجعلكم أحياء ، ثمّ يميتكم بعد هذه الحياة ، ثمّ يحييكم بعد الموت ، ثمّ يحاسبكم .