تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 569

مساهمون:

ص٥٦٩
جسده إلى رحم المرأة ، فهي ميتة من لدن إفراقها جسده إلى نفخ الرّوح فيها ، ثمّ يحييها اللّه بنفخ الرّوح فيها فيجعلها بشرا سويّا بعد تارات تأتي عليها ، ثمّ يميته الميتة الثّانية بقبض الرّوح منه ، فهو في البرزخ ميّت إلى يوم ينفخ في الصّور فيردّ في جسده روحه ، فيعود حيّا سويّا لبعث القيامة ، فذلك موتتان وحياتان ؛ وإنّما دعا هؤلاء إلى هذا القول لأنّهم قالوا : موت ذي الرّوح مفارقة الرّوح إيّاه ، فزعموا أنّ كلّ شيء من ابن آدم حيّ ما لم يفارق جسده الحيّ ذا الرّوح ، فكلّ ما فارق جسده الحيّ ذا الرّوح فارقته الحياة فصار ميّتا ، كالعضو من أعضائه مثل اليد من يديه ، والرّجل من رجليه لو قطعت وأبينت ، والمقطوع ذلك منه حيّ كان الّذي بان من جسده ميّتا لا روح فيه بفراقه سائر جسده الّذي فيه الرّوح . قالوا : فكذلك نطفته حيّة بحياته ، ما لم تفارق جسده ذا الرّوح ، فإذا فارقته مباينة له صارت ميّتة ، نظير ما وصفنا من حكم اليد والرّجل وسائر أعضائه . وهذا قول ووجه من التّأويل لو كان به قائل من أهل القدوة الّذين يرتضى للقرآن تأويلهم . وأولى ما ذكرنا من الأقوال . . . القول الّذي ذكرناه عن ابن مسعود ، وعن ابن عبّاس ، من أنّ معنى قوله :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً
أموات الذّكر خمولا في أصلاب آبائكم نطفا لا تعرفون ولا تذكرون ، فأحياكم بإنشائكم بشرا سويّا ، وحتّى ذكرتم وعرفتم وحيّيتم ، ثمّ يميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم رفاتا لا تعرفون ولا تذكرون في البرزخ إلى يوم تبعثون ، ثمّ يحييكم بعد ذلك بنفخ الأرواح فيكم لبعث السّاعة وصيحة القيامة ، ثمّ إلى اللّه ترجعون بعد ذلك ، كما قال :
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
لأنّ اللّه جلّ ثناؤه يحييهم في قبورهم قبل حشرهم ، ثمّ يحشرهم لموقف الحساب ، كما قال جلّ ذكره :
يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ
المعارج : 43 ، وقال :
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ
يس : 51 . والعلّة الّتي من أجلها اخترنا هذا التّأويل ، ما قد قدّمنا ذكره للقائلين به ، وفساد ما خالفه بما قد أوضحناه قبل ، وهذه الآية توبيخ من اللّه جلّ ثناؤه ، للقائلين :
آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ
الّذين أخبر اللّه عنهم ، أنّهم مع قيلهم : ذلك بأفواههم ؛ غير مؤمنين به ، وأنّهم إنّما يقولون ذلك خداعا للّه وللمؤمنين ، فعذلهم اللّه بقوله :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
ووبّخهم واحتجّ عليهم في نكيرهم ما أنكروا من ذلك ، وجحودهم ما جحدوا بقلوبهم المريضة ، فقال : كيف تكفرون باص فتجحدون قدرته ، على إحيائكم بعد إماتتكم ، وإعادتكم بعد إفنائكم ، وحشركم إليه لمجازاتكم بأعمالكم . ( 1 : 186 ) الزّجّاج : فكونهم أمواتا أوّلا أنّهم كانوا نطفا ثمّ جعلوا حيوانا ، ثمّ أميتوا ثمّ أحيوا ، ثمّ يرجعون إلى اللّه عزّ وجلّ بعد البعث ، كما قال :
مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ
القمر : 8 ، أي مسرعين ، وقوله ، عزّ وجلّ :
يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً
والأجداث : القبور . وتأويل ( كيف ) أنّها استفهام في معنى التّعجّب ، وهذا التّعجّب إنّما هو للخلق وللمؤمنين ، أي اعجبوا من هؤلاء كيف يكفرون وقد ثبتت حجّة اللّه عليهم .