تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 568

مساهمون:

ص٥٦٨
ميّت ، وهذا أمر ميّت ، يراد بوصفه بالموت : خمول ذكره ودروس أثّره من النّاس ، وكذلك يقال في ضدّ ذلك . وخلافه : « هذا أمر حيّ ، وذكر حيّ » يراد بوصفه بذلك أنّه نابه متعالم في النّاس . [ ثمّ استشهد بشعر ] فكذلك تأويل قول من قال في قوله :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً :
لم تكونوا شيئا ، أي كنتم خمولا لا ذكر لكم ، وذلك كان موتكم ، فأحياكم فجعلكم بشرا أحياء تذكرون وتعرفون ، ثمّ يميتكم بقبض أرواحكم ، وإعادتكم كالّذي كنتم قبل أن يحييكم من دروس ذكركم ، وتعفّي آثاركم ، وخمول أموركم ، ثمّ يحييكم بإعادة أجسامكم إلى هيئاتها ، ونفخ الرّوح فيها ، وتصييركم بشرا كالّذي كنتم قبل الإماتة ، لتعارفوا في بعثكم وعند حشركم . وأمّا وجه تأويل من تأوّل ذلك أنّه الإماتة الّتي هي خروج الرّوح من الجسد ، فإنّه ينبغي أن يكون ذهب بقوله :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً
إلى أنّه خطاب لأهل القبور بعد إحيائهم في قبورهم ، وذلك معنى بعيد ، لأنّ التّوبيخ هنالك إنّما هو توبيخ على ما سلف وفرط من إجرامهم لا استعتاب واسترجاع . وقوله جلّ ذكره :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً
توبيخ مستعتب عباده ، وتأنيب مسترجع خلقه من المعاصي إلى الطّاعة ، ومن الضّلالة إلى الإنابة ، ولا إنابة في القبور بعد الممات ، ولا توبة فيها بعد الوفاة . وأمّا وجه تأويل قول قتادة : ذلك أنّهم كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم ، فإنّه عنى بذلك أنّهم كانوا نطفا لا أرواح فيها ، فكانت بمعنى سائر الأشياء الموات الّتي لا أرواح فيها ، وإحياؤه إيّاها تعالى ذكره : نفخه الأرواح فيها ، وإماتته إيّاهم بعد ذلك : قبضه أرواحهم ، وإحياؤه إيّاهم بعد ذلك : نفخ الأرواح في أجسامهم ، يوم ينفخ في الصّور ويبعث الخلق للموعود . وأمّا ابن زيد فقد أبان عن نفسه ما قصد بتأويله ذلك ، وأنّ الإماتة الأولى : عند إعادة اللّه جلّ ثناؤه عباده في أصلاب آبائهم بعد ما أخذهم من صلب آدم ، وأنّ الإحياء الآخر : هو نفخ الأرواح فيهم في بطون أمّهاتهم ، وأنّ الإماتة الثّانية : هي قبض أرواحهم للعود إلى التّراب ، والمصير في البرزخ إلى يوم البعث ، وأنّ الإحياء الثّالث : هو نفخ الأرواح فيهم لبعث السّاعة ، ونشر القيامة ، وهذا تأويل إذا تدبّره المتدبّر وجده خلافا لظاهر قول اللّه الّذي زعم مفسّره أنّ الّذي وصفنا من قوله تفسيره ؛ وذلك أنّ اللّه جلّ ثناؤه أخبر في كتابه عن الّذين أخبر عنهم من خلقه ، أنّهم قالوا :
رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ
المؤمن : 11 . وزعم ابن زيد في تفسيره : أنّ اللّه أحياهم ثلاث إحياءات ، وأماتهم ثلاث إماتات ، والأمر عندنا وإن كان فيما وصف من استخراج اللّه جلّ ذكره من صلب آدم ذرّيّته ، وأخذه ميثاقه عليهم كما وصف ، فليس ذلك من تأويل هاتين الآيتين ، أعني قوله :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً
الآية ، وقوله :
رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ
في شيء ، لأنّ أحدا لم يدّع أنّ اللّه أمات من ذرأ يومئذ غير الإماتة الّتي صار بها في البرزخ إلى يوم البعث ، فيكون جائزا أن يوجّه تأويل الآية إلى ما وجّهه إليه ابن زيد . وقال بعضهم : الموتة الأولى : مفارقة نطفة الرّجل