هدف الآية في الواقع هو إعطاء النّاس درسا للعبرة ، لكي لا يتصوّروا أنّهم بهروبهم من تحمّل المسؤوليّات وبالتّذرّع بمختلف الأعذار يستطيعون أن يكونوا في أمان ، ولكي لا يحسبوا أنّهم أقوياء في قبال قدرة اللّه ، أو حتّى في قبال قوى الطّبيعة وقوانينها الّتي تسيطر على العالم . إذا كان هؤلاء يفرّون من منازلة العدوّ - وهي مدعاة لعزّتهم ورفعتهم - فإنّ اللّه قادر على أن يبتليهم بعدوّ من الصّغر بحيث إنّه لا يرى بالعين . إنّ هذه الأعداء الصّغيرة وجراثيم الطّاعون أو الوباء المجهريّة وأمثالها أشبه بالبرق الخاطف في اختطاف ضحاياها ؛ بحيث إنّ أيّ عدوّ في ميادين الحرب لا يمكن أن يحاربها في سرعة الإبادة والإهلاك ، فلماذا إذا لا تعتبرون ؟ ولم تفرّون من تحمّل المسؤوليّات ؟
2 - أتاريخ أم تمثيل ؟
هذه الحكاية الّتي ذكرناها ، أهي حدث تاريخيّ واقعيّ أشار إليه القرآن إشارة عابرة ثمّ شرحته الرّوايات والأحداث ، أم أنّها أقصوصة تحكى لتجسيد الحقائق العقليّة وبيانها بلغة حسّيّة ؟ .
لمّا كان لهذه الحكاية جوانب غير عاديّة بحيث صعب هضمها على بعض المفسّرين ، فإنّهم أنكروا كونها حقيقة واقعة ، وقالوا : إنّ ما جاء في الآية إنّما هو من باب ضرب المثل بقوم يضعفون عن الجهاد ضدّ العدوّ فيهزمون ، ثمّ يعتبرون بما جرى فيستيقظون ويستأنفون الجهاد ومحاربة العدوّ وينتصرون .
وبموجب هذا التّفسير يكون معنى ( موتوا ) الهزيمة في الحرب بسبب الضّعف والتّهاون . و ( أحياهم ) إشارة إلى الوعي واليقظة ، ومن ثمّ النّصر .
هذا التّفسير يرى أنّ الرّوايات الّتي تعتبر هذه الحادثة واقعة تاريخيّة روايات مجعولة وإسرائيليّة .
وعلى الرّغم من أنّ مسألة « الهزيمة » بعد التّهاون و « الانتصار » بعد اليقظة مسألة هامّة ورائعة ، ولكن لا يمكن إنكار كون ظاهر الآية يدلّ على بيان حادثة تاريخيّة بعينها ، وليست تمثيلا .
إنّ الآية تتحدّث عن قوم من الماضين ماتوا على أثر هروبهم من حدث مروّع ثمّ أحياهم اللّه . فإذا كانت غرابة الحادثة وبعدها عن المألوف هو السّبب في تأويلها ذاك التّأويل ، فهذا إذا ما ينبغي أن نفعله بشأن جميع معاجز الأنبياء .
لو أنّ أمثال هذه التّأويلات والتّوجيهات وجدت طريقها إلى القرآن لأمكن إنكار معاجز الأنبياء ، فضلا عن إنكار معظم قصص القرآن التّاريخيّة ، واعتبارها من قبيل القصص الرّمزيّ التّمثيليّ ، كأن نعتبر قصّة هابيل وقابيل قصّة موضوعة لتمثّل الصّراع بين العدالة وطلب الحقّ من جهة ، والقسوة والظّلم من جهة أخرى ، وبهذا تفقد قصص القرآن قيمتها التّاريخيّة .
وفضلا عن ذلك فإنّنا لا نستطيع أن نتجاهل الرّوايات الواردة في تفسير هذه الآية ، لأنّ بعضها قد ورد في الكتب الموثوق بها ، ولا يمكن أن تكون من الإسرائيليّات المجعولة .
3 - النّقطة الثّالثة الّتي يجب الانتباه إليها في هذه الآية : هي احتمال كونها تشير إلى الرّجعة ، فالحكاية تتحدّث عن تاريخ قوم قدماء ماتوا ثمّ أعيدوا إلى هذه
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 564
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٥٦٤