وتأثير سيرة بعضها في بعض حتّى كأنّها شخص واحد ، وكلّ جماعة منها كعضو منه ، فإن انقطع العضو العامل لم يكن ذلك مانعا من مخاطبة الشّخص بما عمله قبل قطعه .
وهذا الاستعمال معهود في سائر الكلام العربيّ ، يقال :
هجمنا على بني فلان حتّى أفنيناهم ، أو أتينا عليهم ، ثمّ أجمعوا أمرهم وكرّوا علينا مثلا ، وإنّما كرّ عليهم من بقي منهم .
أقول : وإطلاق « الحياة » على الحالة المعنويّة الشّريفة في الأشخاص والأمم ، والموت على مقابلها معهود ، كقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ
الأنفال : 24 ، وقوله :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها . . .
الأنعام : 122 .
وانظر إلى دقّة التّعبير في عطف الأمر بالموت على الخروج من الدّيار بالفاء الدّالّة على اتّصال الهلاك بالفرار من العدوّ ، وإلى عطفه الإخبار بإحيائهم ب « ثمّ » الدّالّة على تراخي ذلك وتأخّره ، ولأنّ الأمّة إذا شعرت بعلّة البلاء بعد وقوعه بها وذهابه باستقلالها ، فإنّه لا يتيسّر لها تدارك ما فات إلّا في زمن طويل ، فما قرّره الأستاذ الإمام هو ما يعطيه النّظم البليغ ، وتؤيّده السّنن الحكيمة . وأمّا الموت الطّبيعيّ فهو لا يتكرّر كما علم من سنّة اللّه ومن كتابه ؛ إذ قال :
لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى
الدّخان : 56 ، وقال :
وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ
المؤمن : 11 .
ولذلك أوّل بعضهم الموت هنا بأنّه نوع من السّكتة والإغماء الشّديد لم تفارق به الأرواح أبدانها .
وقد قال بعد ما قرّره : هذا هو المتبادر فلا نحمل القرآن ما لا يحمل لنطبّقه على بعض قصص بني إسرائيل ، والقرآن لم يقل : إنّ أولئك الألوف منهم ، كما قال في الآيات الآتية وغيرها ، ولو فرضنا صحّة ما قالوه من أنّهم هربوا من الطّاعون ، وأنّ الفائدة في إيراد قصّتهم بيان أنّه لا مفرّ من الموت - لما كان لنا مندوحة عن تفسير إحيائهم ، بأنّ الباقين منهم تناسلوا بعد ذلك وكثروا ، وكانت الأمّة بهم حيّة عزيزة ، ليصحّ أن تكون الآية تمهيدا لما بعدها مرتبطة به .
واللّه تعالى لا يأمرنا بالقتال لأجل أن نقتل ثمّ يحيينا ، بمعنى أنّه يبعث من قتل منّا بعد موتهم في هذه الحياة الدّنيا . ( 2 : 458 )
نحوه المراغيّ . ( 2 : 208 )
ابن عاشور :
فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ
القول فيه إمّا مجاز في التّكوين والموت حقيقة ، أي جعل فيهم حالة الموت ، وهي وقوف القلب وذهاب الإدراك والإحساس ، استعيرت حالة تلقّي المكوّن لأثر الإرادة بتلقّي المأمور للأمر ، فأطلق على الحالة المشبّهة المركّب الدّالّ على الحالة المشبّه بها على طريقة التّمثيل ، ثمّ أحياهم بزوال ذلك العارض ، فعلموا أنّهم أصيبوا بما لو دام لكان موتا مستمرّا . وقد يكون هذا من الأدواء النّادرة المشبهة داء السّكت .
وإمّا أن يكون القول مجازا عن الإنذار بالموت ، والموت حقيقة ، أي أراهم اللّه مهالك شمّوا منها رائحة الموت ، ثمّ فرّج اللّه عنهم فأحياهم .
وإمّا أن يكون كلاما حقيقيّا بوحي اللّه ، لبعض