كونه أمّيّا لم يقرأ كتابا ، ولم يدارس أحدا ، وعلى مشركي العرب ؛ إذ من قرأ الكتب يصدّقه في أخباره بما جاء به ممّا هو في كتبهم . ( 2 : 250 )
نحوه الشّربينيّ . ( 1 : 157 )
رشيد رضا : قال الأستاذ الإمام : وهذا لا يمنع أن يكون بين الجملة المبدوءة بواو الاستئناف وبين ما قبلها تناسب وارتباط في المعنى ، غير ارتباط العطف والمشاركة في الإعراب ، كما هو الشّأن هنا ، فإنّ الآية الأولى مبيّنة لفائدة القتال في الدّفاع عن الحقّ أو الحقيقة ، والثّانية آمرة به بعد تقرير حكمته وبيان وجه الحاجة إليه ، فالارتباط بينهما شديد الأواخي ، لا يعتريه التّراخي .
خرجوا فارّين
فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا
أي أماتهم بإمكان العدوّ منهم ، فالأمر أمر التّكوين لا أمر التّشريع ، أي قضت سنّته في خلقه بأن يموتوا بما أتوه من سبب الموت ، وهو تمكين العدوّ المحارب من إقفائهم بالفرار ، ففتك بهم وقتل أكثرهم . ولم يصرّح بأنّهم ماتوا ، لأنّ أمر التّكوين عبارة عن مشيئته سبحانه ، فلا يمكن تخلّفه ، وللاستغناء عن التّصريح بقوله بعد ذلك :
ثُمَّ أَحْياهُمْ
وإنّما يكون الإحياء بعد الموت . والكلام في القوم لا في أفراد لهم خصوصيّة ، لأنّ المراد بيان سنّته تعالى في الأمم الّتي تجبن فلا تدافع العادين عليها .
ومعنى حياة الأمم وموتها في عرف النّاس جميعهم معروف .
فمعنى موت أولئك القوم هو أنّ العدوّ نكل بهم فأفنى قوّتهم : وأزال استقلال أمّتهم ، حتّى صارت لا تعدّ أمّة ، بأن تفرّق شملها ، وذهبت جامعتها . فكلّ من بقي من أفرادها خاضعين للغالبين ضائعين فيهم ، مدغمين في غمارهم ، لا وجود لهم في أنفسهم ، وإنّما وجودهم تابع لوجود غيرهم .
ومعنى حياتهم هو عود الاستقلال إليهم . ذلك أنّ من رحمة اللّه تعالى في البلاء يصيب النّاس أنّه يكون تأديبا لهم ، ومطهّرا لنفوسهم ممّا عرض لها من دنس الأخلاق الذّميمة .
أشعر اللّه أولئك القوم بسوء عاقبة الجبن والخوف والفشل والتّخاذل بما أذاقهم من مرارتها ، فجمعوا كلمتهم ، ووثقوا رابطتهم ، حتّى عادت لهم وحدتهم قويّة ، فاعتزّوا وكثروا إلى أن خرجوا من ذلّ العبوديّة الّتي كانوا فيها إلى عزّ الاستقلال .
فهذا معنى : حياة الأمم وموتها ، يموت قوم منهم باحتمال الظّلم ، وبذلّ الآخرين حتّى كأنّهم أموات ؛ إذ لا تصدر عنهم أعمال الأمم الحيّة ، من حفظ سياج الوحدة ، وحماية البيضة ، بتكافل أفراد الأمّة ومنعتهم ، فيعتبر الباقون فينهضون إلى تدارك ما فات ، والاستعداد لما هو آت ، ويتعلّمون من فعل عدوّهم بهم كيف يدفعونه عنهم ، قال عليّ كرّم اللّه وجهه : إنّ بقيّة السّيف هي الباقية ، أي الّتي يحيا بها أولئك الميّتون .
فالموت والإحياء واقعان على القوم في مجموعهم ، على ما عهدنا في أسلوب القرآن ؛ إذ خاطب بني إسرائيل في زمن تنزيله بما كان من آبائهم الأوّلين ، بمثل ؛
وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ
البقرة : 49 ، و
ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ
البقرة : 56 ، وغير ذلك . وقلنا : إنّ الحكمة في هذا الخطاب تقرير معنى وحدة الأمّة وتكافلها ،