تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 563

مساهمون:

ص٥٦٣
الأنبياء ، والموت موت مجازيّ ، وهو أمر للتّحقير شتما لهم ، ورماهم بالذّلّ والصّغار ، ثمّ أحياهم ، وثبّت فيهم روح الشّجاعة . والمقصود من هذا موعظة المسلمين بترك الجبن ، وأنّ الخوف من الموت لا يدفع الموت ، فهؤلاء الّذين ضرب بهم هذا المثل خرجوا من ديارهم خائفين من الموت ، فلم يغن خوفهم عنهم شيئا ، وأراهم اللّه الموت ثمّ أحياهم ، ليصير خلق الشّجاعة لهم حاصلا بإدراك الحسّ . ومحلّ العبرة من القصّة : هو أنّهم ذاقوا الموت الّذي فرّوا منه ، ليعلموا أنّ الفرار لا يغني عنهم شيئا ، وأنّهم ذاقوا الحياة بعد الموت ، ليعلموا أنّ الموت والحياة بيد اللّه ، كما قال تعالى :
قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ
الأحزاب : 16 . ( 2 : 457 ) مغنيّة : [ نقل أقوال المفسّرين ومنها قول رشيد رضا ثمّ قال : ] هذا تلخيص موجز جدّا لرأي الشّيخ محمّد عبده الّذي شرحه بكلام طويل ، وهو - كما ترى - من وحي وعيه النّيّر ، ورسالته الإصلاحيّة ، لا من وحي دلالة اللّفظ . إنّ رأيه هذا صحيح في ذاته ، وانسانيّ من غير شكّ ، ولكنّه بعيد عن مدلول اللّفظ ، وقد يظنّ أنه أقرب من قول أكثر المفسّرين من هذه الجهة ، لأنّ قولهم يعتمد الرّوايات الإسرائيليّة ، والأساطير الّتي لا سند لها ، ولا تمتّ إلى الحياة بسبب ، وقوله يهدف إلى التّرغيب في مقاومة الظّلم ، والتّضحية من أجل الحرّيّة والكرامة ، شأن الموجّه المصلح . وكيف كان ، فإنّ الآية تحتمل معاني شتّى ، ومن ثمّ كثرت فيها الأقوال ، ولا شيء في لفظها يدلّ على صحّة قول بالذّات . أجل ، إنّ قول الشّيخ عبده هو أرجح الأقوال جميعا للاعتبار من جهة - كما أشرنا - ويساعد عليه السّياق من جهة أخرى . أمّا الاعتبار فواضح ، وأمّا السّياق فقوله تعالى بعد هذه الآية بلا فاصل :
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .
البقرة : 244 . ( 1 : 373 ) الطّباطبائيّ :
فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ
الأمر تكوينيّ ، ولا ينافي كون موتهم واقعا عن مجرى طبيعيّ ، كما ورد في الرّوايات أنّ ذلك كان بالطّاعون ، وإنّما عبّر بالأمر دون أن يقال : « فأماتهم اللّه ثمّ أحياهم » ، ليكون أدلّ على نفوذ القدرة وغلبة الأمر ، فإنّ التّعبير بالإنشاء في التّكوينيّات أقوى وآكد من التّعبير بالإخبار ، كما أنّ التّعبير بصورة الإخبار الدّالّ على الوقوع في التّشريعيّات أقوى وآكد من الإنشاء . ولا يخلو قوله تعالى :
ثُمَّ أَحْياهُمْ
عن الدّلالة على أنّ اللّه أحياهم ليعيشوا فعاشوا بعد حياتهم ؛ إذ لو كان إحياؤهم لعبرة يعتبر بها غيرهم ، أو لإتمام حجّة ، أو لبيان حقيقة ، لذكر ذلك على ما هو دأب القرآن في بلاغته ، كما في قصّة أصحاب الكهف . على أنّ قوله تعالى بعد :
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ
يشعر بذلك أيضا . ( 2 : 279 ) مكارم الشّيرازيّ : بحوث : هنا ينبغي أن نشير إلى بعض النّقاط : 1 - درس للعبرة