ولعلّ المقصود هو العبرة بالإماتة ، لأنّها أوضح عبرة ، وللرّدّ عليهم قولهم :
وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ
الجاثية : 24 ، وأنّ عطف
وَأَحْيا
تتميم واحتراس ، كما في قوله :
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ
الملك : 2 ، ولذلك قدّم
أَماتَ
على
أَحْيا
مع الرّعاية على الفاصلة ، كما تقدّم في
أَضْحَكَ وَأَبْكى
النّجم : 43 .
وموقع الجملة كموقع جملة :
وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى
النّجم : 40 ، فإن كان مضمونها ممّا شملته صحف إبراهيم كان المحكيّ بها من كلام إبراهيم ما حكاه اللّه عنه بقوله :
وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ
الشّعراء : 81 .
وفعلا
أَماتَ وَأَحْيا
منزّلان منزلة اللّازم ، كما تقدّم في قوله :
وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى
النّجم : 43 ، إظهارا لبديع القدرة على هذا الصّنع الحكيم ، مع التّعريض بالاستدلال على كيفيّة البعث وإمكانه ، حيث أحاله المشركون ، وشاهده في خلق أنفسهم .
وضمير الفصل للقصر على نحو قوله :
وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى
ردّا على أهل الجاهليّة الّذين يسندون الإحياء والإماتة إلى الدّهر ، فقالوا :
وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ .
فليس المراد الحياة الآخرة ، لأنّ المتحدّث عنهم لا يؤمنون بها ولأنّها مستقبلة والمتحدّث عنه ماض .
وفي هذه الآية محسّن الطّباق أيضا لما بين الحياة والموت من التّضادّ . ( 27 : 143 )
مغنيّة : هو سبحانه يهب الحياة ويأخذها ، أمّا قول من قال : إنّ المادّة أصل الحياة وسببها فهو مجرّد ادّعاء تكذّبه بديهة العقل ، لأنّ المادّة لا تتحرّك بطبيعتها بل بعلّة مغايرة لها ، وأيّ عاقل يقبل القول بأنّ المادّة الصّمّاء أنشأت بنفسها لنفسها أبصارا وأسماعا وأفئدة ! وإذا كانت الحياة صفة تلازم المادّة فلماذا ظهر النّموّ والحركة والحسّ والتّفكير في بعضها دون بعض ؟
وإن قال قائل : إنّ لبعض أفراد المادّة استعدادا للحياة دون بعض .
قلنا في جوابه : من أين جاءت هذه التّفرقة ؟ هل جاءت من داخل المادّة أو خارجها ؛ فإن كانت من الدّاخل وجب أن تكون كلّ مادّة صالحة لاستقبال الحياة ، وإلّا لزم أن يكون الشّيء الواحد سببا لوجود الشّيء وعدمه في آن واحد ، وإن جاءت بسبب خارج عن المادّة ، فهو الّذي نقول . ( 7 : 185 )
الطّباطبائيّ : الكلام في انتساب الموت والحياة إلى أسباب أخر طبيعيّة وغير طبيعيّة كالملائكة ، كالكلام في انتساب الضّحك والبكاء إلى غيره تعالى ، مع انحصار الإيجاد فيه تعالى .
[ وتقدّم كلامه في « بكي » فلاحظ ] ( 19 : 49 )
أحياهم
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ . . .
البقرة : 243
ابن عبّاس : كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطّاعون ، فأماتهم اللّه ، فمرّ عليهم نبيّ من الأنبياء ، فدعا ربّه أن يحييهم حتّى يعبدوه ، فأحياهم .
( الطّبريّ 2 : 586 )
نحوه مقاتل . ( أبو حيّان 2 : 251 )
الحسن : فرّوا من الطّاعون ، فقال لهم اللّه : موتوا ، ثمّ