ذكر بعض المفسّرين أنّ المراد بالآية قولهم بالتّناسخ ، والمعنى :
إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا
فلسنا نخرج من الدّنيا أبدا ( نموت ) عن حياة دنيا ( ونحيا ) بعد الموت بالتّعلّق ببدن جديد ، وهكذا
وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ .
وهذا لا يخلوا من وجه ، لكن لا يلائمه قولهم المنقول ذيلا :
وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ
إلّا أن يوجّه بأنّ مرادهم من نسبة الإهلاك إلى الدّهر : كون الدّهر وسيلة يتوسّل بها الملك الموكّل على الموت إلى الإماتة ، وكذا لا تلائمه حجّتهم المنقولة ذيلا
ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
الطّاهرة في أنّهم يرون آباءهم معدومين باطلي الذّوات .
وذكر في معنى الآية وجوه أخر لا يعبأ بها ، كقول بعضهم : المعنى نكون أمواتا لا حياة فيها وهو قبل ولوج الرّوح ، ثمّ نحيا بولوجها ، على حدّ قوله تعالى :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
البقرة : 28 .
وقول بعضهم : المراد بالحياة : بقاء النّسل مجازا ، والمعنى : نموت نحن ونحيا ببقاء نسلنا ، إلى غير ذلك ممّا قيل . ( 18 : 174 )
مكارم الشّيرازيّ : عقائد الدّهريّين
في هذه الآيات بحث آخر حول منكري التّوحيد ، غاية ما هناك أنّه قد ذكر هنا اسم جماعة خاصّة منهم ، وهم الدّهريّون الّذين كانوا ينكرون وجود صانع حكيم لعالم الوجود مطلقا ، في حين أنّ أكثر المشركين كانوا يؤمنون ظاهرا باللّه ، وكانوا يعتبرون الأصنام شفعاء عند اللّه ، فتقول الآية أوّلا :
وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا
فكما يموت من يموت منّا ، يولد من يولد منّا ، وبذلك يستمرّ النّسل البشريّ
وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ
وبهذا فإنّهم كانوا ينكرون المعاد كما ينكرون المبدأ ، والجملة الأولى ناظرة إلى إنكارهم المعاد ، أمّا الجملة الثّانية فتشير إلى إنكار المبدإ .
والجدير بالانتباه أنّ هذا التّعبير قد ورد في آيتين أخريين : الأنعام : 29 ،
وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
والمؤمنون : 37 ،
إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ .
إلّا أنّ التّأكيد في الآيتين إنكار المعاد وحسب ، ولم يرد إنكار المبدإ والمعاد معا إلّا في هذه الآية .
ومن الواضح أنّ هؤلاء إنّما كانوا يؤكّدون المعاد أكثر من المبدإ ، لخوفهم ، واضطرابهم من التّأثير الّذي كان من الممكن أن يغيّر مسير حياتهم المليئة بالشّهوات والخاضعة لها .
وقد ذكر المفسّرون عدّة تفاسير لجملة
نَمُوتُ وَنَحْيا :
[ وذكرها ثمّ قال : ]
غير أنّ التّفسير الأوّل - وهو أنّهم يموتون وأولادهم يحيون - هو أنسب الجميع وأفضلها .
وعلى أيّة حال ، فإنّ جماعة من المادّيّين في العصور الخالية كانوا يعتقدون بأنّ الدّهر والأيّام هي الفاعلة في هذا العالم - أو بتعبير جماعة آخرين : إنّ الفاعل هو دوران الأفلاك وأوضاع الكواكب - وكانوا ينهون سلسلة الحوادث إلى الأفلاك ، ويعتقدون أنّ كلّ ما يقع في هذا العالم بسببها ، حتّى أنّ جماعة من فلاسفة الدّهريّين وأمثالهم كانوا يقولون بوجود عقل للأفلاك ، ويعتقدون أنّ تدبير هذا العالم بيدها .
إنّ هذه العقائد الخرافيّة قد انقرضت بمرور الزّمان ،