تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 550

مساهمون:

ص٥٥٠
وقيل : أرادوا يموت بعضنا ويحيا بعض ، على أنّ التّجوّز في الإسناد . وجوّز أن يريدوا بالحياة على سبيل المجاز : إعادة الرّوح لبدن آخر بطريق التّناسخ ، وهو اعتقاد كثير من عبدة الأصنام ، ولا يخفى بعد ذلك . ( 25 : 153 ) ابن عاشور : وتقدّم في سورة الأنعام : 29 ،
وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
وضمير ( هي ) ضمير القصّة والشّأن ، أي قصّة الخوض في البعث تنحصر في أن لا حياة بعد الممات ، أي القصّة هي انتفاء البعث كما أفاده حصر الأمر في الحياة الدّنيا ، أي الحاضرة القريبة منّا ، أي فلا تطيلوا الجدال معنا في إثبات البعث . ويجوز أن يكون ( هي ) ضمير الحياة باعتبار دلالة الاستثناء على تقدير لفظ الحياة ، فيكون حصرا لجنس الحياة في الحياة الدّنيا . وجملة
نَمُوتُ وَنَحْيا
مبيّنة لجملة
ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا
أي ليس بعد هذا العالم عالم آخر ، فالحياة هي حياة هذا العالم لا غير ، فإذا مات من كان حيّا خلفه من يوجد بعده ، فمعنى
نَمُوتُ وَنَحْيا
يموت بعضنا ويحيا بعض ، أي يبقى حيّا إلى أمد ، أو يولد بعد من ماتوا . وللدّلالة على هذا التّطوّر عبّر بالفعل المضارع ، أي تتجدّد فينا الحياة والموت . فالمعنى : نموت ونحيا في هذه الحياة الدّنيا ، وليس ثمّة حياة أخرى . ثمّ إن كانت هذه الجملة محكيّة بلفظ كلامهم فلعلّها ممّا جرى مجرى المثل بينهم ، وإن كانت حكاية لمعنى كلامهم فهي من إيجاز القرآن ، وهم إنّما قالوا : يموت بعضنا ويحيا بعضنا ثمّ يموت ، فصار كالمثل . ولا يخطر بالبال أنّ حكاية قولهم :
نَمُوتُ وَنَحْيا
تقتضي إرادة نحيا بعد أن نموت ، لأنّ قولهم :
ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا
يصرف عن خطور هذا بالبال . والعطف بالواو لا يقتضي ترتيبا بين المتعاطفين في الحصول . وإنّما قدّم ( نموت ) في الذّكر على ( ونحيا ) في البيان مع أنّ المبيّن قولهم :
ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا
فكان الظّاهر أن يبدأ في البيان بذكر اللّفظ المبيّن ، فيقال : نحيا ونموت . فقيل : قدّم ( نموت ) لتتأتّى الفاصلة بلفظ ( نحيا ) مع لفظ ( الدّنيا ) . وعندي أنّ تقديم فعل ( نموت ) على ( نحيا ) للاهتمام بالموت في هذا المقام ، لأنّهم بصدد تقرير أنّ الموت لا حياة بعده ، ويتّبع ذلك الاهتمام تأتّي طباقين بين
حَياتُنَا الدُّنْيا
و ( نموت ) ، ثمّ بين ( نموت ) و ( نحيا ) وحصلت الفاصلة تبعا ، وذلك أدخل في بلاغة الإعجاز ، ولذلك أعقبه بقوله تعالى :
وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ ،
فالإشارة ب « ذلك » إلى قولهم :
وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ ،
أي لا علم لهم بأنّ الدّهر هو المميت ؛ إذ لا دليل . وأمّا زيادة
وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ
فقصدوا تأكيد معنى انحصار الحياة والموت في هذا العالم المعبّر عنه عندهم بالدّهر ، فالحياة بتكوين الخلقة ، والممات بفعل الدّهر ، فكيف يرجى لمن أهلكه الدّهر أن يعود حيّا ؟ فالدّهر هو الزّمان المستمرّ المتعاقب ليله ونهاره . والمعنى : أحياؤنا يصيرون إلى الموت بتأثير الزّمان ، أي حدثانه من طول مدّة يعقبها الموت بالشّيخوخة ، أو من أسباب تقضي إلى الهلاك ، وأقوالهم في هذا كثيرة ،