تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 551

مساهمون:

ص٥٥١
ومن الشّعر القديم قول عمرو بن قميئة :
رمتني بنات الدّهر من حيث لا أرى * فما بال من يرمى وليس برام
ولعلّهم يريدون أنّه لو تأثّر الزّمان لبقي النّاس أحياء ، كما قال أسقف نجران :
منع البقاء تقلّب الشّمس * وطلوعها من حيث لا تمسي
فلمّا كان الموت بفعل الدّهر فكيف يرجى أن يعودوا أحياء ؟ وهذه كلمات كانت تجري على ألسنتهم لقلة التّدبّر في الأمور ، وإن كانوا يعلمون أنّ اللّه هو الخالق للعوالم . وأمّا ما يجري في العالم من التّصرّفات فلم يكن لهم فيه رأي ، وكيف وحالتهم الأمّيّة لا تساعد على ذلك ، وكانوا يخطئون في التّفاصيل حتّى يأتوا بما يناقض ما يعتقدونه . ( 25 : 377 ) مغنيّة : قال المادّيّون أو الدّهريّون - عبّر بما شئت - قالوا : إنّ الإنسان خليط من أشياء مادّيّة تجمّعت من هنا وهناك وتفاعلت ، فإذا مات فإلى فناء ، ولا شيء بعد الموت تماما كالنّبات والحشرات ، وما نراه في الإنسان من إدراك وإحساس فهو من إفراز الجسم ووليد الظّروف والملابسات ، أي إنّ عقل الإنسان وعاطفته من الأعراض الثّانويّة الّتي لا أصالة لها ولا استقلال . ( 7 : 29 ) الطّباطبائيّ : والآية على ما يعطيه السّياق - سياق الاحتجاج على الوثنيّين المثبتين للصّانع المنكرين للمعاد - حكاية قول المشركين في إنكار المعاد ، لا كلام الدّهريّين النّاسبين للحوادث وجودا وعدما إلى الدّهر ، المنكرين للمبدإ والمعاد جميعا ؛ إذ لم يسبق لهم ذكر في الآيات السّابقة . فقولهم :
ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا
الضّمير للحياة ، أي لا حياة لنا إلّا حياتنا الدّنيا لا حياة وراءها ، فلا وجود لما يدّعيه الدّين الإلهيّ من البعث والحياة الآخرة ، وهذا هو القرينة المؤيّدة ، لأن يكون المراد بقوله :
نَمُوتُ وَنَحْيا
يموت بعضنا ويحيا بعضنا الآخر ، فيستمرّ بذلك بقاء النّسل الإنسانيّ بموت الأسلاف وحياة الأخلاف . ويؤيّد ذلك بعض التّأييد قوله بعده :
وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ
المشعر بالاستمرار . فالمعنى : وقال المشركون : ليست الحياة إلّا حياتنا الدّنيا الّتي نعيش بها في الدّنيا ، فلا يزال يموت بعضنا وهم الأسلاف ، ويحيا آخرون وهم الأخلاف ، وما يهلكنا إلّا الزّمان - الّذي بمروره يبلي كلّ جديد ويفسد كلّ كائن ويميت كلّ حيّ - فليس الموت انتقالا من دار إلى دار ، منتهيا إلى البعث والرّجوع إلى اللّه . ولعلّ هذا كلام بعض الجهلة من وثنيّة العرب ، وإلّا فالعقيدة الدّائرة بين الوثنيّة هي التّناسخ : وهو أنّ نفوس غير أهل الكمال إذا فارقت الأبدان تعلّقت بأبدان أخرى جديدة ، فإن كانت النّفس المفارقة اكتسبت السّعادة في بدنها السّابق تعلّقت ببدن جديد تتنعّم فيه وتسعد ، وإن كانت اكتسبت الشّقاء في البدن السّابق تعلّقت ببدن لا حق تشقى فيه وتعذّب ، جزاء لعملها السّيّئ وهكذا ، وهؤلاء لا ينكرون استناد أمر الموت كالحياة إلى وساطة الملائكة . ولهذا أعني كون القول بالتّناسخ دائرا بين الوثنيّة .