ذلك شبهتهم في إنكار القيامة ، وفي إنكار الإله القادر . أمّا شبهتهم في إنكار القيامة فهي قوله تعالى :
وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا .
فإن قالوا : الحياة مقدّمة على الموت في الدّنيا ، فمنكروا القيامة كان يجب أن يقولوا : نحيا ونموت ، فما السّبب في تقديم ذكر الموت على الحياة ؟ قلنا : فيه وجوه :
الأوّل : المراد بقوله : ( نموت ) حال كونهم نطفا في أصلاب الآباء وأرحام الأمّهات ، وبقوله : ( نحيا ) ما حصل بعد ذلك في الدّنيا .
الثّاني : نموت نحن ونحيا بسبب بقاء أولادنا .
الثّالث : يموت بعض ويحيا بعض .
الرّابع : وهو الّذي خطر بالبال عند كتابة هذا الموضع :
أنّه تعالى قدّم ذكر الحياة ، فقال :
ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا
ثمّ قال بعده :
نَمُوتُ وَنَحْيا
يعني أنّ تلك الحياة منها ما يطرأ عليها الموت ، وذلك في حقّ الّذين ماتوا ، ومنها ما لم يطرأ الموت عليها ، وذلك في حقّ الأحياء الّذين لم يموتوا بعد . ( 27 : 269 )
نحوه الشّربينيّ . ( 3 : 599 )
البيضاويّ : [ نحو الزّمخشريّ وأضاف : ]
ويحتمل أنّهم أرادوا به التّناسخ ، فإنّه عقيدة أكثر عبدة الأوثان .
وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ
إلّا مرور الزّمان ، وهو في الأصل مدّة بقاء العالم من دهره ، إذا غلبه .
( 2 : 382 )
نحوه النّسفيّ ( 4 : 137 ) ، وأبو السّعود ( 6 : 62 ) ، والبروسويّ ( 8 : 449 ) .
أبو حيّان : قالوا : إن هي إلّا حياتنا الدّنيا ، هي مقالة بعض قريش إنكار البعث . والظّاهر أنّ قولهم :
نَمُوتُ وَنَحْيا
حكم على النّوع بجملته ، من غير اعتبار تقديم وتأخير ، أي تموت طائفة وتحيا طائفة ، وأنّ المراد : بالموت ، مفارقة الرّوح للجسد .
وقيل في الكلام تقديم وتأخير ، أي نحيا ونموت .
وقيل : ( نموت ) عبارة عن كونهم لم يوجدوا ، و ( نحيا ) أي في وقت وجودنا . وهذا قريب من الأوّل قبله ، ولا ذكر للموت الّذي هو مفارقة الرّوح في هذين القولين .
( 8 : 49 )
الآلوسيّ :
ما هِيَ
أي ما الحياة
إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا
الّتي نحن فيها . ويجوز أن يكون الضّمير للحال ، والحياة الدّنيا من جملة الأحوال ، فيكون المستثنى من جنس المستثنى منه أيضا ، لاستثناء حال الحياة الدّنيا من أعمّ الأحوال ، ولا حاجة إلى تقدير حال مضافا بعد أداة الاستثناء ، أي ما الحال إلّا حال الحياة الدّنيا .
نَمُوتُ وَنَحْيا
حكم على النّوع بجملته من غير اعتبار تقديم وتأخير ، إلّا أنّ تأخير ( نحيا ) في النّظم الجليل للفاصلة ، أي تموت طائفة وتحيا طائفة ولا حشر أصلا .
وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، أي نحيا ونموت ، وليس بذاك .
وقيل : أرادوا بالموت : عدم الحياة السّابق على نفخ الرّوح فيهم ، أي نكون نطفا وما قبلها وما بعدها ، ونحيا بعد ذلك .
وقيل : أرادوا بالحياة : بقاء النّسل والذّرّيّة مجازا ، كأنّهم قالوا : نموت بأنفسنا ونحيا ببقاء أولادنا وذرارينا .