حياة سواها ، تكذيبا منهم بالبعث بعد الممات .
وقوله :
نَمُوتُ وَنَحْيا
نموت نحن وتحيا أبناؤنا بعدنا ، فجعلوا حياة أبنائهم بعدهم حياة لهم ، لأنّهم منهم وبعضهم ، فكأنّهم بحياتهم أحياء ، وذلك نظير قول النّاس : ما مات من خلّف ابنا مثل فلان ؛ لأنّه بحياة ذكره به كأنّه حيّ غير ميّت .
وقد يحتمل وجها آخر ، وهو أن يكون معناه : نحيا ونموت على وجه تقديم الحياة قبل الممات ، كما يقال : قمت وقعدت ، بمعنى : قعدت وقمت . والعرب تفعل ذلك في « الواو » خاصّة ، إذا أرادوا الخبر عن شيئين أنّهما كانا أو يكونان ، ولم تقصد الخبر عن كون أحدهما قبل الآخر ، تقدّم المتأخّر حدوثا على المتقدّم حدوثه منهما أحيانا ، فهذا من ذلك ، لأنّه لم يقصد فيه إلى الخبر عن كون الحياة قبل الممات ، فقدّم ذكر الممات قبل ذكر الحياة ؛ إذ كان القصد إلى الخبر عن أنّهم يكون مرّة أحياء وأخرى أمواتا . ( 25 : 151 )
نحوه الميبديّ . ( 9 : 134 )
الزّجّاج : فإن قال قائل : كيف قالوا : نموت ونحيا ، وهم لا يقرّون بالبعث ؟ فالدّليل على أنّهم لا يقرّون بالبعث قولهم : ما هي إلّا حياتنا . وفي
نَمُوتُ وَنَحْيا
ثلاثة أقوال :
يكون المعنى نموت ونحيا : يحيا أولادنا ، فيموت قوم ويحيا قوم .
ويكون معنى
نَمُوتُ وَنَحْيا :
نحيا ونموت ، لأنّ الواو للاجتماع ، وليس فيها دليل على أنّ أحد الشّيئين قبل الآخر .
ويكون
نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ
أي ابتداؤنا موات في أصل الخلقة ، ثمّ نحيا ثمّ يهلكنا الدّهر .
( 4 : 434 )
الطّوسيّ : أي ليس الحياة إلّا هذه الحياة الّتي نحن فيها في دار الدّنيا [ وأدام الكلام نحو ما تقدّم عن الزّجّاج ]
( 9 : 259 )
نحوه الطّبرسيّ . ( 5 : 78 )
الزّمخشريّ :
نَمُوتُ وَنَحْيا
نموت نحن ويحيا أولادنا ، أو يموت بعض ويحيا بعض ، أو نكون مواتا نطفا في الأصلاب ونحيا بعد ذلك .
أو يصيبنا الأمران : الموت والحياة ، يريدون الحياة في الدّنيا والموت بعدها ، وليس وراء ذلك حياة . وقرئ ( نحيا ) بضمّ النّون . ( 3 : 512 )
نحوه المراغيّ . ( 25 : 158 )
ابن عطيّة : الآية حكاية مقالة بعض قريش ، وهذه صنيفة دهريّة من كفّار العرب . ومعنى قولهم : ما في الوجود إلّا هذه الحياة الّتي نحن فيها ، وليست ثمّ آخرة ولا بعث .
واختلف المفسّرون في معنى قولهم :
نَمُوتُ وَنَحْيا
فقالت فرقة : المعنى : نحن موتى قبل أن نوجد ، ثمّ نحيا في وقت وجودنا . وقالت فرقة : المعنى : ( نموت ) حين نحن نطف ودم ، ثمّ ( نحيا ) بالأرواح فينا .
وهذا قول قريب من الأوّل ، ويسقط على القولين ذكر الموت المعروف الّذي هو خروج الرّوح من الجسد ، وهو الأهمّ في الذّكر . ( 5 : 87 )
الفخر الرّازيّ : واعلم أنّه تعالى حكى عنهم بعد