ومثله على ما قيل - وأنا لا أراه كذلك - : أنّ القوم كانوا قائلين بالتّناسخ ، فحياتهم بتعلّق النّفس الّتي فارقت أبدانهم بأبدان أخر عنصريّة تنقّلت في الأطوار حتّى استعدّت لأنّ تتعلّق بها تلك النّفس المفارقة ، فزيد مثلا إذا مات نتعلّق نفسه ببدن آخر قد استعدّ في الرّحم للتّعلّق ، ثمّ يولد ، فإذا مات أيضا تتعلّق نفسه ببدن آخر كذلك ، وهكذا إلى ما لا يتناهى . وهذا مذهب لبعض التّناسخيّة ، وهم ملّيّون ونحليّون .
ويمكن أن يقال : إنّ هذا على حدّ قوله تعالى لعيسى عليه السّلام :
إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ
آل عمران :
55 ، على قول ، فإنّ العطف فيه بالواو وهي لا تقتضي التّرتيب ، فيجوز أن تكون الحياة الّتي عندها الحياة الّتي قبل الموت ، ويحتمل أنّهم قالوا : نحيا ونموت ، إلّا أنّه لمّا حكى عنهم قيل :
نَمُوتُ وَنَحْيا
ليكون أوفق بقوله تعالى :
إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا .
( 18 : 32 )
الطّباطبائيّ : أي يموت قوم منّا في الدّنيا ويحيا آخرون فيها لا نزال كذلك ،
وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
للحياة في دار أخرى وراء الدّنيا .
ويمكن أن يحمل قولهم :
نَمُوتُ وَنَحْيا
على التّناسخ ؛ وهو خروج الرّوح بالموت من بدن وتعلّقها ببدن آخر إنسانيّ أو غير إنسانيّ ، فإنّ التّناسخ مذهب شائع عند الوثنيّين ، وربّما عبّروا عنه بالولادة بعد الولادة ، لكنّه لا يلائم سياق الآيات كثير ملاءمة .
( 15 : 32 )
عبد الكريم الخطيب : إنّهم بهذا يؤكّدون استبعاد البعث بعد الموت ، ويؤكّدون أنّه لا حياة إلّا هذه الحياة الّتي هم فيها ، وأنّهم إنّما يدورون في هذين المدارين ، حياة وموت ، وموت وحياة ؛ حيث يموت ناس ، ويولد ناس ، وهكذا دواليك . أمّا أن يبعث الموتى من قبورهم ، ويعودوا إلى الحياة مرّة أخرى ، فذلك ما لا تقبله عقولهم ولا يتصوّره خيالهم . ( 9 : 1135 )
2 -
وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ . . .
الجاثية : 24
ابن عبّاس : يعنون تموت الآباء وتحيا الأبناء .
( 421 )
نحوه البغويّ ( 4 : 187 ) ، والخازن ( 6 : 128 ) ، والثّعلبيّ ( 8 : 368 ) .
مقاتل : نموت نحن ويحيا آخرون فيخرجون من أصلابنا ، فنحن كذلك فما نبعث أبدا . ( 3 : 840 )
الفرّاء : يقول القائل : كيف قال : نموت ونحيا ، وهم مكذّبون بالبعث ؟ فإنّما أراد نموت ويأتي بعدنا أبناؤنا ، فجعل فعل أبنائهم كفعلهم ، وهو في العربيّة كثير .
( 3 : 48 )
ثعلب : سئل عن تفسيرها ، فقال : اختلف فيه ، فقالت طائفة : هو مقدّم ومؤخّر ، ومعناه نحيا ونموت ولا نحيا بعد ذلك .
وقالت طائفة : معناه نحيا ونموت ولا نحيا أبدا ، ويحيا أولادنا بعدنا ، فجعلوا حياة أولادهم بعدهم كحياتهم ، ثمّ قالوا : ويموت أولادنا فلا نحيا ولا هم .
( الأزهريّ 5 : 289 )
الطّبريّ : ما حياة إلّا حياتنا الدّنيا الّتي نحن فيها ، لا