« حوية » .
[ ونقل قول اللّيث في الحياء من الاستحياء ثمّ قال : ]
يقال : استحيا الرّجل واستحيت المرأة . قلت :
وللعرب في هذا الحرف لغتان : يقال : استحى فلان يستحي بياء واحدة ، واستحيا فلان يستحيي بياءين .
والقرآن نزل باللّغة التّامّة .
وأمّا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم » فهو بمعنى استفعلوا من الحياة ، أي استبقوهم ولا تقتلوهم .
ويقال : فلان أحيا من الهديّ ، وأحيا من كعاب ، وأحيا من مخدّرة ومن مخبّأة ، وهذا كلّه من « الحياء » ممدود . وأمّا قولهم : أحيا من الضّبّ ، فهي الحياة .
روي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال : « الحياء شعبة من الإيمان » . واعترض هذا الحديث بعض النّاس ، فقال :
كيف جعل الحياء - وهو غريزة - شعبة من الإيمان ، وهو اكتساب ؟
والجواب في ذلك : أنّ المستحي ينقطع بالحياء عن المعاصي وإن لم تكن له تقيّة ، فصار كالإيمان الّذي يقطع عنها ويحول بين المؤمنين وبينها ، وكذلك قيل : « إذا لم تستح فاصنع ما شئت » يراد أنّ من لم يستح صنع ما شاء ؛ لأنّه لا يكون له حياء يحجزه عن الفواحش فيتهافت فيها . ولا يتوقّاها ، واللّه أعلم .
[ وذكر معنى التّحيّة للّه عن أبي عمرو الشّيبانيّ ثمّ قال : ]
قال خالد بن يزيد : لو كانت التّحيّة الملك لما قيل :
التّحيّات للّه ، والمعنى : السّلامات من الآفات كلّها للّه ، وجمعها ، لأنّه أراد السّلام من كلّ آفة .
[ وذكر كلام أبي الهيثم في معنى التّحيّة ثمّ قال : ]
وهذا الّذي قاله أبو الهيثم حسن ، ودلائله واضحة ، غير أنّ التّحيّة وإن كانت في الأصل سلاما فجائز أن يسمّى الملك في الدّنيا تحيّة - كما قال الفرّاء وأبو عمرو - لأنّ الملك يحيّا بتحيّة الملك المعروفة للملوك الّتي يباينون فيها غيرهم ، وكانت تحيّة ملوك العجم قريبة في المعنى من تحيّة ملوك العرب ، كان يقال لملكهم : « زه هزار سال » ، المعنى : عش سالما ألف سنة .
وجائز أن يقال للبقاء : تحيّة ، لأنّ من سلم من الآفات فهو باق ، والباقي في صفة اللّه من هذا ، لأنّه لا يموت أبدا ، فمعنى : حيّاك اللّه ، أي أبقاك ، صحيح من « الحياة » ، وهو البقاء .
يقال : أحياه اللّه وحيّاه بمعنى واحد . والعرب تسمّي الشّيء باسم غيره ، إذا كان معه أو من سببه .
وعن حاتم بن المظفّر أنّه سأل سلمة بن عاصم عن قوله : حيّاك اللّه ، فقال : بمنزلة أحياك اللّه ، أي أبقاك اللّه ، مثل كرّم اللّه وأكرم اللّه .
قال : وسألت أبا عثمان المازنيّ عن « حيّاك اللّه » فقال :
عمّرك اللّه .
والحيا : الغيث ، مقصور لا يمدّ ، وحياء الشّاة والنّاقة والمرأة ممدود ، ولا يجوز قصره إلّا لشاعر يضطرّ في شعره إلى قصره ، وما جاء عن العرب إلّا ممدودا .
وإنّما قيل له : حياء باسم الحياء من الاستحياء لأنّه يستر من الآدميّ ، ويكنّى عنه من الحيوان ، ويستفحش التّصريح بذكره واسمه الموضوع له ، ويستحى من ذلك ،
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 523
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٥٢٣