أنّ المؤمن يرفع له إلى اللّه في كلّ يوم صالح من العمل والقول ، لا في كلّ سنة ، أو في كلّ ستّة أشهر ، أو في كلّ شهرين . فإذا كان ذلك كذلك فلا شكّ أنّ المثل لا يكون خلافا للممثّل به في المعنى ، وإذا كان ذلك كذلك كان بيّنا صحّة ما قلنا .
فإن قال قائل : فأيّ نخلة تؤتى في كلّ وقت أكلا صيفا وشتاء ؟ قيل : أمّا في الشّتاء فإنّ الطّلع من أكلها ، وأمّا في الصّيف فالبلح والبسر والرّطب والتّمر ذلك كلّه من أكلها . ( 13 : 207 )
الزّجّاج : اختلف النّاس بتفسير الحين ، فقال بعضهم :
كلّ سنة ، وقال بعضهم : كلّ ستّة أشهر ، وقال بعضهم :
غدوة وعشيّة ، وقال بعضهم : الحين : شهران .
وجميع من شاهدنا من أهل اللّغة يذهب إلى أنّ الحين : اسم كالوقت ، ليصلح لجميع الأزمان كلّها ، طالت أو قصرت . فالمعنى في قوله :
تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ
أنّها ينتفع بها في كلّ وقت ، لا ينقطع نفعها ألبتّة . [ ثمّ استشهد بشعر ] ( 3 : 160 )
نحوه النّحّاس . ( القرطبيّ 9 : 360 )
الجصّاص : [ ذكر أقوال السّابقين وأضاف : ]
الحين : اسم يقع على وقت مبهم ، وجائز أن يراد به وقت مقدّر ، قال اللّه تعالى :
فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ
الرّوم : 17 ، ثمّ قال :
وَحِينَ تُظْهِرُونَ
الرّوم : 18 ، فهذا على وقت صلاة الفجر ووقت الظّهر ، ووقت المغرب على اختلاف فيه ، لأنّه قد أريد به فعل الصّلاة المفروضة في هذه الأوقات ، فصار ( حين ) في هذا الموضع اسما لأوقات هذه الصّلوات . ويشبه أن يكون ابن عبّاس في الرّواية الّتي رويت عنه في الحين أنّه غدوة وعشيّة ، ذهب إلى معنى قوله تعالى :
حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ
الرّوم : 17 . ويطلق ويراد به أقصر الأوقات ، كقوله تعالى :
وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ
الفرقان : 42 ، وهذا على وقت الرّؤية ، وهو وقت قصير غير ممتدّ . ويطلق ويراد به أربعون سنة ، لأنّه روي في تأويل قوله تعالى :
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ
الدّهر : 1 ، أنّه أراد أربعين سنة ، والسّنة ، والسّتّة الأشهر ، والثّلاث عشرة سنة ، والشّهران ، على ما ذكرنا من تأويل السّلف للآية كلّه محتمل .
فلمّا كان ذلك كذلك ثبت أنّ الحين : اسم يقع على وقت مبهم ، وعلى أقصر الأوقات ، وعلى مدّد معلومة بحسب قصد المتكلّم . ثمّ قال أصحابنا فيمن حلف : « أن لا يكلّم فلانا حينا » ، أنّه على ستّة أشهر ؛ وذلك لأنّه معلوم أنّه لم يرد به أقصر الأوقات ؛ إذ كان هذا القدر من الأوقات لا يحلف عليه في العادة ، ومعلوم أنّه لم يرد به أربعين سنة ، لأنّ من أراد الحلف على أربعين سنة حلف على التّأييد من غير توقيت .
ثمّ كان قوله تعالى :
تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها
لمّا اختلف السّلف فيه على ما وصفنا كان أقصر الأوقات فيه ستّة أشهر ، لأنّ من حين الصّرام إلى وقت أوان الطّلع ستّة أشهر ، وهو أولى من اعتبار السّنة ، لأنّ وقت الثّمرة لا يمتدّ سنة ، بل ينقطع حتّى لا يكون فيه شيء . وإذا اعتبرنا ستّة أشهر كان موافقا لظاهر اللّفظ في أنّها تطعم ستّة أشهر وتنقطع ستّة أشهر . وأمّا الشّهران فلا معنى لاعتبار من اعتبرهما ، لأنّه معلوم أنّ من وقت