تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
الحياة ، قال تعالى :
وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ
البقرة : 96 ، إذ لا أمل لهم في حياة أخرى ، ولا أمل لهم في تحصيل نعيمها . فأمّا المؤمنون فإنّ كراهتهم للموت المرتكزة في الجبلّة بمقدار الإلف ، لا تبلغ بهم إلى حدّ الجزع منه . وفي الحديث : « من أحبّ لقاء اللّه أحبّ اللّه لقاءه ، ومن كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه » ، وتأويله بالمؤمن يحبّ لقاء اللّه للطّمع في الثّواب ، وبالكافر يكره لقاء اللّه . وقد بيّنه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « إنّ المؤمن إذا حضرته الوفاة رأى ما أعدّ اللّه له من خير فأحبّ لقاء اللّه » أي والكافر بعكسه ، وقد قال اللّه تعالى خطابا لليهود :
قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ
الجمعة : 8 . وتقديم ( منه ) على ( تحيد ) للاهتمام بما منه الحياد ، وللرّعاية على الفاصلة . ( 26 : 255 ) الطّباطبائيّ : الحيد : العدول والميل على سبيل الهرب . [ إلى أن قال : ] وفي قوله :
ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ
إشارة إلى أنّ الإنسان يكره الموت بالطّبع ، وذلك أنّ اللّه سبحانه زيّن الحياة الدّنيا والتّعلّق بزخارفها للإنسان ابتلاء وامتحانا ، قال تعالى :
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ . . .
الكهف : 7 . ( 18 : 348 ) المصطفويّ : فإنّهم يستبعدون البعث ويجعلونه وراء ظهورهم ، ويعرضون عن سبيل الآخرة ، ولا يتهيّؤون للموت عن الحياة الدّنيويّة . فظهر لطف التّعبير بهذه الكلمة ، فإنّهم لا يتباعدون باعوجاجهم عن الحقّ ، ولا يتنحّون عن طريق سيرهم إلى البعث . ( 2 : 356 ) مكارم الشّيرازيّ : إنّ الموت حقيقة يهرب منها أغلب النّاس ، لأنّهم يحسبونه فناء لا نافذة إلى عالم البقاء ، أو لعلائقهم وارتباطاتهم الشّديدة بالدّنيا والمواهب المادّيّة الّتي لهم فيها ، فلا يستطيعون أن يصرفوا قلوبهم عنها ، أو لسواد صحيفة أعمالهم . أيّا كان ، فهم منه يهربون . ولكن ما ينفعهم ، ومصيرهم المحتوم في انتظار الجميع ، والجمل الّذي أناخ بكلكله على أبواب بيوتهم جميعا لا مفرّ لأحد منه ، ولا بدّ أن ينزلوا إلى حفرة الموت ، ويقال لهم : هذا ما كنتم منه تفرّون ! وقائل هذا الكلام ربّما هو اللّه أو الملائكة أو الضّمائر اليقظة أو الجميع . . . ( 17 : 32 ) فضل اللّه :
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ
لتنقلك إلى عالم آخر ، يختلف عن العالم الّذي أنت فيه ، فتفارق كلّ مواقع شغلك ، وكلّ ملاعب لهوك وفرحك ،
ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ
فتهرب من ذكره ، وتبتعد عن مواقعه وإيحاءاته ، وتعمل على إلهاء نفسك عنه بأيّ شيء ، ممّا يجلب الغفلة إلى وعيك وشعورك ، لأنّك كنت مشدودا إلى الدّنيا بكلّ غرائزك وشهواتك وعلاقاتك ، وبكلّ ما ألفته من أوضاع وأشياء وأعمال . وها أنت تواجه الحقّ في القضاء الإلهيّ ، فتنشغل به في ما يشبه السّكرة عن كلّ من حولك من النّاس ، وما حولك من الأمور . ( 21 : 180 )

الأصول اللّغويّة

1 - الأصل في هذه المادّة الحيد ، أي ما شخص من الجبل واعوجّ ، وهو الحيد أيضا ، والجمع : حيود وأحياد ؛ يقال : جبل ذو حيود وأحياد ، إذا كانت له حروف ناتئة