قلت : للفرّاء ، هو بمنزلة قول الشّاعر :
لا يسمع المرء فيها ما يؤنّسه * باللّيل إلّا نئيم اليوم والضّوعا
فقال لي : نعم ، يذهب إلى أنّ « الضّوع » عطف على « النّئيم » ولم يعطف على « اليوم » ، كما عطفت ( الحوايا ) على ( ما ) ، ولم تعطف على « الظّهور » . قلت : فمقتضى ما حكاه ابن الأنباريّ أن تكون ( الحوايا ) عطفا على ( ما ) المستثناة ، وفي معنى ذلك قلق بيّن ، هذا ما يتعلّق بإعرابها .
وأمّا ما يتعلّق بمدلولها . فقيل : هي المباعر ، [ وذكر جملة من الأقوال ، ثمّ قال : ]
فإن كان مفردها حاوية فوزنها : « فواعل » ، ك « ضاربة وضوارب » ، ونظيرها في المعتلّ : « راوية وروايا ، وزاوية وزوايا » ، والأصل : « حواوي » ، ك « ضوارب » فقلبت الواو الّتي هي عين الكلمة همزة ، لأنّها ثاني حرفي لين اكتنفا مدّة « مفاعل » ، فاستثقلت همزة مكسورة فقلبت ياء ، فاستثقلت الكسرة على الياء ، فجعلت فتحة ، فتحرّك حرف العلّة وهو الياء الّتي هي لام الكلمة بعد فتحة فقلبت ألفا فصارت ( حوايا ) .
وإن شئت قلت : قلبت الواو همزة مفتوحة ، فتحرّكت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا ، فصارت همزة مفتوحة بين ألفين يشبهانها ، فقلبت الهمزة ياء ، وقد تقدّم تحقيق هذا في قوله :
نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ
البقرة : 58 .
واختلف أهل التّصريف في ذلك ، وكذلك إذا قلنا :
مفردها حاوياء كان وزنها : « فواعل » أيضا ، ك « قصعاء وقاصع ، وراهطاء ورواهط » ، والأصل : حواوي أيضا ، ففعل به ما فعل فيما قبله . وإن قلنا : إنّ مفردها حويّة فوزنها : « فعائل » ، ك « ظرائف » ، والأصلي : حوائي ، فقلبت الهمزة ياء مفتوحة ، وقلبت الياء الّتي هي لام ألفا ، فصار اللّفظ ( حوايا ) أيضا ، فاللّفظ متّحد ، والعمل مختلف . وقوله :
أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ
فيه ما تقدّم في ( حوايا ) . ورأي الفرّاء فيه أنّه منصوب نسقا على ( ما ) المستثناة في قوله :
إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما ،
والمراد به :
الألية . « وقيل : هو كلّ شحم في الجنب والعين الأذن والقوائم » . ( 3 : 208 )
الشّربينيّ : أي ما حملته الحوايا وهي الأمعاء الّتي هي متعاطفة ملويّة ، جمع : حويّة ، فوزنها « فعائل » كسفينة وسفائن . وقيل : جمع حاوية أو حاوياء ، كقاصعاء فهو « فواعل » . ( 1 : 456 )
نحوه أبو السّعود ( 2 : 456 ) ، والبروسويّ ( 3 : 115 ) .
الشّوكانيّ : ( الحوايا ) معطوف على ( ظهورهما ) ، أي إلّا ما حملت ظهورهما أو حملت الحوايا . [ إلى أن قال : ]
وقيل : إنّ ( الحوايا ) و
مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ
معطوفة على « الشّحوم » . والمعنى : حرّمنا عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ، إلّا ما حملت ظهورهما ، فإنّه غير محرّم ، ولا وجه لهذا التّكلّف ، ولا موجب له ، لأنّه يكون المعنى إنّ اللّه حرّم عليهم إحدى هذه المذكورات .
( 2 : 218 )
الآلوسيّ : ( الحوايا ) بما اشتملت عليه الأمعاء ، لأنّه من حواه بمعنى اشتمل عليه ، فيطلق على الشّحم الملتفّ على الأمعاء . وجوّز غير واحد أن يكون العطف على ( ظهورهما ) ، وأن يكون على ( شحومهما ) ، وحينئذ يكون ما ذكر محرّما . وإليه ذهب بعض السّلف .