كان يابسا ، وكذا تغيّر لونه عن الخضرة إلى الألوان المختلفة المركّبة الملتوية . ( 2 : 352 )
مكارم الشّيرازيّ : ( احوى ) : من الحوّة ، وهي شدّة الخضرة أو شدّة السّواد ، وكلاهما من أصل واحد ، لأنّ الخضرة لو اشتدّت قربت من السّواد ، وجاء في الآية بمعنى تجمّع النّبات اليابس وتراكمه ، حتّى يتحوّل لونه تدريجيّا إلى السّواد .
ويمكن أن يكون اختيار هذا التّعبير في مقام بيان النّعم الإلهيّة ، لأحد أسباب ثلاثة :
الأوّل : أنّ حال هذه النّباتات يشير بشكل غير مباشر إلى فناء الدّنيا ، لتكون دوما درسا وعبرة للإنسان ، فهي بعد أن تنمو وتخضرّ في الرّبيع شيئا فشيئا تيبس وتموت بعد مرور الأيّام عليها ، حتّى يتحوّل جمالها الزّاهي في فصل الرّبيع إلى سواد قاتم ، ولسان حالها يقول : بعدم دوام الدّنيا وانقضائها السّريع !
الثّاني : أنّ النّباتات اليابسة عندما تتراكم ، فستتحوّل بمرور الوقت إلى سماد طبيعيّ ، ليعطي الأرض القدرة اللّازمة لإخراج نباتات جديدة أخرى .
الثّالث : أنّ الآية تشير إلى تكوّن الفحم الحجريّ من النّباتات والأشجار .
فكما هو معلوم أنّ الفحم الحجريّ ، والّذي يعتبر من المصادر المهمّة للطّاقة ، إنّما تكوّن من النّباتات والأشجار الّتي يبست منذ ملايين السّنين ، ودفنت في الأرض حتّى تحجّرت واسودّ لونها بمرور الزّمان .
ويعتقد بعض العلماء ، بأنّ مناجم الفحم الحجريّ ، قد تكوّنت من جراء النّباتات اليابسة المدفونة في داخل الأرض منذ ( 250 ) ميليون سنة تقريبا !
ولو أخذنا بنظر الاعتبار كمّيّة الفحم الحجريّ المستهلك في العالم ، لوجدنا أنّ تلك النّباتات كانت بقدر بحيث تؤمّن احتياج النّاس لأكثر من ( 4000 ) سنة .
وتفسير الآية بالمعنى الأخير دون غيره قد لا يوصلنا إلى الصّواب ، ولا يستبعد أن تكون الآية قد أرادت كلّ ما جاء في المعاني الثّلاثة أعلاه .
وعلى أيّة حال ، فللغثاء الأحوى منافع كثيرة . . . فهو غذاء جيّد للحيوانات في الشّتاء ، ويستعمل كسماد طبيعيّ للأرض ، وكذا يستعمله الإنسان كوقود .
فما ذكرته الآيات من صفات : الرّبوبيّة ، الأعلى ، الخلق ، التّسوية ، التّقدير ، الهداية وإخراج المرعى ، إنّما توصلنا إلى الرّبوبيّة الحقّة للّه جلّ وعلا ، وبقليل من التّأمّل يتمكّن أيّ إنسان من إدراك هذه المسألة ، ليصل نور الإيمان إلى قلبه ، فيشكر المنعم على ما أعطى .
( 20 : 119 )
فضل اللّه :
فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى
فيتحوّل إلى أوراق يابسة وأغصان ذابلة ، وتزول كلّ تلك الحيويّة النّضرة في الألوان المتنوّعة ، فإذا هو أميل إلى السّواد ، فهو أحوى .
ويبلغ التّقدير الإلهيّ مداه في ذلك كلّه ، لينتظر العودة إلى حركته في فصول جديدة ورحلة جديدة للنّموّ والحياة الخضراء . وفي هذا إشارة خفيّة للتّدبير الإلهيّ ، في إبداع الإنسان في إخراجه إلى الحياة ، ثمّ في تحوّله إلى شيء ميّت . . . ثمّ إلى تراب . . . ثمّ تبدأ رحلة الحياة من جديد ، ولكن في عالم آخر . . . ( 24 : 208 )