تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
طعاما وهو غثاء أحوى ، وما بينهما فهو في كلّ حالة صالح لأمر من أمور هذه الحياة ، بتقدير : الّذي خلق فسوّى وقدّر فهدى . والإشارة إلى حياة النّبات هنا توحي من طرف خفيّ ، بأنّ كلّ نبت إلى حصاد ، وأنّ كلّ حيّ إلى نهاية ، وهي اللّمسة الّتي تتّفق مع الحديث عن الحياة الدّنيا والحياة الأخرى . . .
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى
الأعلى : 16 ، 17 ، والحياة الدّنيا كهذا المرعى ، الّذي بنتهي فيكون غثاء أحوى . . . والآخرة هي الّتي تبقى . ( 6 : 3888 ) عزّة دروزة : ( احوى ) : أسود أو ضارب للسّواد . . . هو الّذي أنبت النّبات ، ثمّ جعله جافّا متكسّرا أسود اللّون ، بالنّاموس الّذي أودعه في الكون بعد ما كان أخضر ليّنا . ( 1 : 134 ) ابن عاشور : « الأحوى » : الموصوف بالحوّة بضمّ الحاء وتشديد الواو ، وهي من الألوان : سمرة تقرب من السّواد وهو صفة ( غثاء ) ، لأنّ الغثاء يابس فتصير خضرته حوّة . وهذا الوصف أحوى لاستحضار تغيّر لونه ، بعد أن كان أخضر يانعا ، وذلك دليل على تصرّفه تعالى بالإنشاء وبالإنهاء . وفي وصف إخراج اللّه تعالى المرعى ، وجعله غثاء أحوى ، مع ما سبقه من الأوصاف في سياق المناسبة بينها ، وبين الغرض المسوق له الكلام ، إيماء إلى تمثيل حال القرآن وهدايته - وما اشتمل عليه من الشّريعة الّتي تنفع النّاس - بحال الغيث الّذي ينبت به المرعى ، فتنتفع به الدّوابّ والأنعام ، وإلى أنّ هذه الشّريعة تكمل ويبلغ ما أراد اللّه فيها ، كما يكمل المرعى ويبلغ نضجه حين يصير غثاء أحوى ، على طريقة تمثيليّة مكنيّة رمز إليها بذكر لازم الغيث وهو المرعى . وقد جاء بيان هذه الإيماء وتفصيله بقول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم « مثل ما بعثني اللّه به من الهدى والعلم ، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا ، فكان منها نقيّة قبلت الماء ، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب أمسكت الماء ، فنفع اللّه بها النّاس ، فشربوا وسقوا وزرعوا . . . » . ويجوز أن يكون المقصود من جملة
فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى
إدماج العبرة بتصاريف ما أودع اللّه في المخلوقات ، من مختلف الأطوار من الشّيء إلى ضدّه ، للتّذكير بالفناء بعد الحياة ، كما قال تعالى :
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ
الرّوم : 54 ، للإشارة إلى أنّ مدّة نضارة الحياة للأشياء تشبه المدّة القصيرة ، فاستعير لعطف ( جعله غثاء ) الحرف الموضوع لعطف ما يحصل فيه حكم المعطوف ، بعد زمن قريب من زمن حصول المعطوف عليه ، ويكون ذلك من قبيل قوله تعالى :
إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ
إلى قوله :
فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ
يونس : 24 . ( 30 : 246 ) المصطفويّ : أي الملتوى من جهة الشّكل والصّورة ومن جهة اللّون ، فيتغيّر طراوته وخضرته . وليس لفظ أحسن دلالة وأجمع مفهوما من هذه الكلمة ، حيث إنّها تدلّ على زوال الطّراوة والصّفاء والبهجة من المرعى ، إذا